تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 422)جامع البيانالطبري١٣/٤٢٢: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد والربيع بن أنس والسدي في قوله: {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ}: أي بالنصرة والتأييد والمعونة، {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا}: قيل تثبيتهم بتبشيرهم بالنصر، وقيل بظهور الملائكة في صور الرجال يقاتلون معهم ويقولون: أقدموا فإنهم قليل وليسوا بشيء وإن الله معكم، وقيل بإلقاء الشجاعة في قلوبهم؛ {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ}: أي الخوف والهلع الشديد الذي يسلبهم التفكير والقوة؛ {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ}: أي اضربوا الرؤوس وفصل الهامات عن الأجساد؛ {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}: أي أطراف الأصابع والأيدي والأرجل حتى يشل قتالهم ولا يقدروا على حمل السيف ولا الركوب.
صحيح مسلم (كتاب الجهاد، باب الإمداد بالملائكة، حديث رقم 1763)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٦٣: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه، إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم! فنظر إلى المشرك أمامه فخرّ مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد حُطم أنفه وشُق وجهه كضربة السوط فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: صدقت، ذلك من مدد السماء الثالثة!».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 22)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٢٢: يوضح ابن كثير أن هذا أمر إلهي صريح للملائكة الكرام وللمؤمنين بمباشرة القتال الحاسم؛ فضرب ما فوق الأعناق هو إبانة الرؤوس، وضرب البنان هو قطع المفاصل والأصابع؛ ليجتمع على الكفار شلل الإرادة بالرعب، وشلل الحركة بالسيف.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
{الرُّعْبَ}: الخوف الشديد الذي يملأ القلب حتى يطير به لبه وتضطرب فرائصه.
{فَوْقَ الْأَعْنَاقِ}: العنق معروف، وما فوقه إما الرؤوس والهامات، وإما الأعناق نفسها (لأن الحز يقع على العنق نفسه وفوقه متصل به).
{بَنَانٍ}: البنان جمع بنانة، وهي طرف الأصبع من اليدين والرجلين؛ وسميت بنانة لأن بها استقرار الإنسان وبناءه وأفعاله وقبضه وبسطه؛ من أَبَنَّ بالمكان إذا أقام به.
الإعراب والتركيب:
{إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بمحذوف تقديره (واذكر إذ يوحي).
{يُوحِي}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل.
{رَبُّكَ}: فاعل مرفوع بالضمة والكاف مضاف إليه.
{إِلَى الْمَلَائِكَةِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يوحي).
{أَنِّي}: أن حرف توكيد ونصب والياء اسمها.
{مَعَكُمْ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر أنّ، والمصدر المؤول (أني معكم) في محل نصب بنزع الخافض (أي بأني معكم) أو مفعول به ليوحي إذا ضُمّن معنى يقول.
{فَثَبِّتُوا}: الفاء فصيحة، ثبتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مفعول به مبني في محل نصب.
{آمَنُوا}: فعل ماض والواو فاعل والجملة صلة الموصول.
{الرُّعْبَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{فَاضْرِبُوا}: الفاء عاطفة لترتيب المسبب على سببه، اضربوا فعل أمر وفاعله.
{فَوْقَ}: ظرف مكان منصوب وهو مضاف متعلق بـ (اضربوا).
{الْأَعْنَاقِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَاضْرِبُوا}: معطوف على ما قبله.
{مِنْهُمْ}: متعلقان بمحذوف حال من (كل بنان).
{كُلَّ}: مفعول به منصوب وهو مضاف.
{بَنَانٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقسيم التكتيكي المعجز للمعركة الفاصلة:
من جانب الله تعالى: المعية والنصرة للملائكة {أَنِّي مَعَكُمْ}، وإلقاء السلاح المعنوي الحاسم في قلوب الأعداء وهو الرعب {سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ}.
من جانب الملائكة: تثبيت المؤمنين بالقتال والسكينة والبشارة {فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا}.
من جانب المقاتلين (الملائكة والمؤمنين): التنفيذ العسكري الميداني الدقيق لشل قدرة العدو: بضرب الرؤوس لإنهاء الحياة {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ}، وضرب أطراف الأصابع لشل حركة السلاح والفرار {وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعوى القسوة في ضرب الأعناق والبنان:
يثير بعض المستشرقين ومنكرو السنة شبهات حول مشروعية القتل والضرب في الآية، زاعمين أنها تحث على القسوة غير الإنسانية!
الدفع والمحاكمة الأخلاقية والعسكرية الصارمة:
الآية نزلت في سياق معركة حربية عسكرية مصيرية مشتعلة بين جيشين متقاتلين؛ لم تكن موعظة في مجلس سلم بل توجيهاً عسكرياً لرد عدوان جيش مكة المعتدي الذي جاء ببطره وكبريائه وخيله ليستأصل شأفة المسلمين بعد ثلاثة عشر عاماً من التعذيب والاضطهاد ومصادرة الأموال.
التوجيه بـ {فَوْقَ الْأَعْنَاقِ} و{كُلَّ بَنَانٍ} هو التوجيه العسكري الأكثر حكمة وحسماً لإنهاء المعركة بأسرع وقت وأقل خسائر في صفوف أهل الحق؛ فضرب الرأس ينهي حياة المحارب المعتدي فوراً دون تعذيب طويل، وضرب البنان يسقط السيف من يده فيستسلم ويؤسر؛ وهذا أرقى أساليب الحسم في القوانين العسكرية الصارمة.
التعبير بـ {فَوْقَ الْأَعْنَاقِ}: إيجاز بديع؛ لأن ما فوق العنق يشمل مفصل الرقبة والدماغ، وهو مقتل الإنسان الفوري؛ وقيل: "فوق" مقحمة للتأكيد؛ والأول أبلغ في دقة التحديد التشريحي للمقتل.
التعميم والإحاطة بـ {كُلَّ بَنَانٍ}: استيعاب تام لشل أطراف العدو؛ فإذا طارت بنانه عجز عن قبض السيف، وإن طارت بنان قدمه عجز عن الثبات والركوب، فيتحول الجيش المشرك إلى حطام عاجز.
التوكيد بالسين في {سَأُلْقِي}: تفيد قرب وقوع الرعب وتحققه حتماً كأنه واقع المشاهدة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الرعب جند من جند الله: إذا نصر الله عباده ألقى الرعب في قلوب أعدائهم؛ وفي الحديث الصحيح: «نُصرت بالرعب مسيرة شهر»؛ والرعب كفيل بهزيمة الجيوش الجرارة مهما بلغت ترسانتها.
الحزم والصرامة في مواجهة المعتدين: ميدان القتال لا يحتمل التردد ولا الرخاوة؛ فالرحمة بالمؤمنين تقتضي الشدة والبطش بالمحاربين الطغاة لإخماد فتنتهم وصيانة دماء الصالحين.