تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 564)جامع البيانالطبري١٣/٥٦٤: يروي الطبري بإسناده عن مجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق والسدي: أن المعنيين بالآية هم مشركو قريش ونفيرهم إلى بدر بقيادة أبي جهل؛ «لما نجا أبو سفيان بالعير أرسل إلى قريش: إنكم إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم وقد نجاها الله فارجعوا! فقال أبو جهل بن هشام لعنه الله: والله لا نرجع حتى نرد بدراً، فنقيم بها ثلاثاً، ننحر الجزور، ونطعم الطعام، ونسقي الخمر، وتعزف لنا القيان، وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبداً! فكان هذا هو البطر ورئاء الناس، فساقهم الله إلى مصارعهم ببدر، فوردوا قليب بدر مقتولين ملقين وأطعموا النار».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 68)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٦٨: يوضح ابن كثير أن الله تعالى ينهى المؤمنين عن التشبه بالمشركين في نياتهم وبواعثهم؛ فالمؤمن يخرج للجهاد إخلاصاً لله وإعلاءً لكلمته وتواضعاً وخشوعاً، بينما خرج المشركون بطراً واستكباراً ومباهاة ومفاخرة ورئاء للناس وصداً عن سبيل الله؛ فكان عاقبة بطرهم الخزي والنكال.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{بَطَرًا}: البَطَر هو الطغيان عند النعمة والتعالي بالأشر ومجاوزة الحد في الكبر والاستعلاء وغمط الحق؛ بطر يبطر بطراً.
{وَرِئَاءَ النَّاسِ}: الرئاء مأخوذ من الرؤية، وهو إظهار العمل الصالح أو القوة والمفاخرة ليراها الناس ويمدحوا صاحبها دون إخلاص لله.
الإعراب والتركيب:
{وَلَا}: الواو عاطفة، (لا) ناهية جازمة.
{تَكُونُوا}: فعل مضارع ناقص مجزوم بحذف النون والواو اسمه.
{كَالَّذِينَ}: الكاف خبر تكون في محل نصب، والذين اسم موصول مضاف إليه.
{خَرَجُوا}: فعل ماض والواو فاعل والجملة صلة الموصول.
{مِن دِيَارِهِم}: متعلقان بـ (خرجوا).
{بَطَرًا}: مفعول لأجله منصوب بالفتحة (أي لأجل البطر والفخر)، أو مصدر في موضع الحال (أي بطرين أشرين).
{وَرِئَاءَ}: معطوف منصوب وهو مضاف.
{النَّاسِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَيَصُدُّونَ}: الواو عاطفة أو حالية، يصدون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{عَن سَبِيلِ}: متعلقان بـ (يصدون).
{اللَّهِ}: مضاف إليه مجرور.
{وَاللَّهُ}: الواو استئنافية، لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع.
{بِمَا}: الباء حرف جر، (ما) اسم موصول مبني في محل جر متعلق بـ (محيط).
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة الأخلاقية بين معسكرين:
معسكر الإيمان: أُمر بالثبات، وذكر الله، وطاعة الرسول، واجتناب التنازع، ولزوم الصبر والتواضع.
معسكر الكفر: خرج بالبطر، والكبر، والخيلاء، وطلب المدائح والمظاهر الجوفاء (الرئاء)، والصد عن سبيل الله.
هذا النظم يطهر بواطن المجاهدين من حظوظ الشهرة والسمعة والخيلاء، ويجعل حركتهم خالصة لوجه الله تعالى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إظهار القوة العسكرية وهل ينافي النهي عن البطر والرئاء؟:
في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى أبا دجانة يتبختر بين الصفين في أحد فقال: «إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن»؛ فكيف يجمع بين ذلك وبين النهي عن البطر والرئاء؟
الدفع والمحاكمة الأخلاقية والعسكرية:
البطر والرئاء المنهي عنه هو: استكبار النفس على الحق والاعتزاز بالقوة استغناءً عن الله وفخراً على الخلق واستعراضاً دنيوياً فارغاً لطلب الشهرة كما فعل أبو جهل وأهل مكة.
أما إظهار القوة والمهابة والتبختر لإغاظة الأعداء وكسر معنوياتهم وإرهابهم في ميدان القتال لله وفي سبيله فهذا من مكايد الحرب المشروعة التعبدية؛ فالمدار على "النية والغاية"؛ فالمؤمن يظهر العزة لله، والمشرك يظهر البطر لطغيانه وكبريائه.
الجمع بين {بَطَرًا} و{رِئَاءَ النَّاسِ}: البطر فساد في الباطن والتعالي على النعمة، والرئاء فساد في الظاهر بتوجيه القصد للمخلوقين؛ فاجتمع لقريش فساد السر والعلن.
الختام بـ {وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}: إحاطة علم وقدرة وجزاء؛ فلا يفوتهم من علمه ذرة، وسيجازيهم على مكرهم وبطرهم بالإذلال والصغار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
إخلاص القصد في العمل والجهاد: الرياء والبطر محبطان للأعمال وموجبان لسخط الرحمن؛ ومن خرج يبتغي المدح والثناء والرياء خذله الله في أشد مواطن حاجته.
شؤم الكبر والخيلاء: الكبر قائد إلى الهلاك؛ وأبو جهل الذي أقسم ألا يرجع حتى تشرب الخمر وتعزف القيان في بدر شرب كأس الحتوف وأُلقي في قليب بدر مهاناً مدحوراً.