تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 588)جامع البيانالطبري١٣/٥٨٨: يروي الطبري عن مجاهد وقتادة والسدي: أن هذا تكرير وتأكيد وتفصيل للمثل السابق لربطه بقاعدة تغيير النعم؛ فبين أن آل فرعون كذبوا بآيات ربهم وأشركوا بعد أن مكن الله لهم في الأرض وأعطاهم الجنات والعيون والكنوز والمقام الكريم؛ فلما بدلوا نعمة الله كفراً أهلكهم الله بذنوبهم، وأغرق فرعون وجنده في بحر القلزم، وأورث ديارهم للمستضعفين من بني إسرائيل؛ {وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ}: كل تلك القرون الهالكة كانوا ظالمين لأنفسهم بالشرك، فاستحقوا العقاب العادل.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 77)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٧٧: يوضح ابن كثير الفرق الدقيق بين الآيتين (52 و54): ففي الأولى قال: {كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ} لبيان أصل أخذهم بالعذاب العام؛ وهنا قال: {كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} ليخص نوع الإهلاك الذي غير نعمتهم وهو الغرق في اليم؛ كما خُص كفار مكة بنوع الهلاك في بدر وهو القتل بالسيف وإلقاؤهم في القليب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{فَأَهْلَكْنَاهُم}: الإهلاك الإفناء والاجتثاث التام من الوجود.
{وَأَغْرَقْنَا}: الإغراق الغط في الماء حتى يموت خنقاً.
{وَكُلٌّ}: لفظ يفيد الإحاطة والعموم؛ والتنوين فيه تنوين عوض عن المضاف إليه المحذوف (أي: وكلهم).
الإعراب والتركيب:
{كَدَأْبِ}: خبر لمبتدأ محذوف تقديره دأبهم كدأب آل فرعون.
{آلِ فِرْعَوْنَ}: مضاف إليه.
{وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ}: معطوف وصلته.
{كَذَّبُوا}: فعل ماض والواو فاعل.
{بِآيَاتِ}: متعلقان بـ (كذبوا).
{رَبِّهِمْ}: مضاف إليه والهاء مضاف إليه والميم علامة الجمع.
{فَأَهْلَكْنَاهُم}: الفاء عاطفة سببية، أهلكنا فعل ماض و(نا) فاعل والهاء مفعول به والميم علامة الجمع.
{بِذُنُوبِهِمْ}: متعلقان بـ (أهلكناهم).
{وَأَغْرَقْنَا}: معطوف ماض وفاعله.
{آلَ}: مفعول به منصوب وهو مضاف.
{فِرْعَوْنَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة لمنعه من الصرف.
{وَكُلٌّ}: الواو استئنافية، كل مبتدأ مرفوع وتنوينه تنوين عوض.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص والواو اسمه.
{ظَالِمِينَ}: خبر كان منصوب بالياء، وجملة كانوا ظالمين في محل رفع خبر المبتدأ (كل).
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تتويج المقارنة التاريخية:
ربط قصة بدر بقصة شق البحر وغرق فرعون: فرعون غرق في الماء أمام موسى والمؤمنين، وصناديد قريش قتلوا وألقوا في قليب بدر المائي النتن أمام النبي والمؤمنين.
ختم الآية بالقضاء الحاسم المسقط لكل معذرة: {وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ}؛ لتقرير أن هذا الإهلاك لم يكن انتقاماً ظالماً، بل حكماً عدلاً أصاب ظالمين مستحقين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
نكتة الانتقال من اسم الجلالة {بِآيَاتِ اللَّهِ} في الأولى إلى اسم الرب {بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} في الثانية:
في الآية الأولى قال: {كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} لأن السياق سياق إثبات الألوهية واستحقاق العبادة ونفي الشركاء.
وفي الآية الثانية قال: {كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ} لأن السياق سياق تغيير "النعمة" {نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا}، والرب هو المنعم المربي بالإنعام والإحسان؛ فكان تكذيبهم لربهم المنعم عليهم كفراناً للنعمة واستحقاقاً لسلبها وإهلاكهم؛ فما أروع هذه الدقة القرآنية المعجزة!
الالتفات من الغيبة إلى التكلم العظيم: في الأولى قال: {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ} بصيغة الغيبة؛ وهنا قال: {فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ} بنون العظمة (نا)؛ للدلالة على مباشرته سبحانه لقصمهم بقوته وجبروته العظيم؛ لترهيب كل ظالم.
التذييل الحاسم {وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ}: تنوين التنكير يفيد الشمول؛ كل فرد وجماعة وأمة من أولئك الهالكين تلبسوا بالظلم التام، فلا مظلوم بينهم البتة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عاقبة الاستكبار على النعم: النعمة إذا قوبلت بالتكذيب والظلم تحولت إلى نقمة جارفة تبتلع صاحبها كما ابتلع البحر فرعون وجنوده.
الاعتبار بمصائر الجبابرة: مسارح الظالمين ومصارعهم عبر التاريخ عظة باقية تدعو المؤمن إلى التواضع وملازمة شكر المنعم سبحانه.