تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 507)جامع البيانالطبري١٣/٥٠٧: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس والحسن البصري وقتادة ومجاهد: أن المعنى: وأي مانع يمنع من تعذيبهم بالسيف والقتل بعد أن زال المانعان (خروج النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين المستغفرين من مكة)، وظهرت جناياتهم العظمى؛ وهي صدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والمؤمنين عن المسجد الحرام وعن الطواف والصلاة فيه، مع ادعائهم الباطل أنهم أولياء الكعبة وحماتها وسدنتها؛ فرد الله دعواهم: {وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ ۚ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ}؛ فالمشرك النجس ليس ولياً لبيت الله المعظم، وإنما أولياؤه الموحدون المتقون وإن كانوا من غير قريش.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 49)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٩: يوضح ابن كثير أن الآية نزلت لتعرية زيف مشركي مكة الذين كانوا يفتخرون بسدانة الكعبة وسقاية الحاج ويقولون: نحن ولاة البيت، فبين الله أن ولاية المسجد الحرام ليست بالنسب ولا بالوراثة الجاهلية، بل بالتقوى والتوحيد؛ فلما أشركوا وصدوا أهل التوحيد عن البيت استوجبوا عذاب الله في الدنيا بالسيف وفي الآخرة بالنار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَصُدُّونَ}: الصد هو المنع والصرف بالقوة والجور؛ صده إذا منعه وحال بينه وبين وجهته.
{أَوْلِيَاءَهُ}: جمع ولي، والولي هو النصير والقائم بالأمر والمتولي لشؤونه؛ وولاية المسجد رعايته وعمارته بالتوحيد والصلاة والنسك.
الإعراب والتركيب:
{وَمَا}: الواو استئنافية، (ما) اسم استفهام إنكاري مبني في محل رفع مبتدأ.
{أَلَّا}: أن حرف مصدري ونصب، (لا) زائدة لتأكيد النفي أو نافية، والمصدر المؤول (ألا يعذبهم) في محل نصب بنزع الخافض تقديره: وما لهم في ألا يعذبهم الله (أي: أي مانع يمنع عذابهم).
{يُعَذِّبَهُمُ}: فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة، والهاء مفعول به والميم علامة الجمع.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة.
{وَهُمْ}: الواو واو الحال، هم ضمير منفصل مبتدأ.
{يَصُدُّونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر هم، والجملة الاسمية في محل نصب حال.
{عَنِ الْمَسْجِدِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يصدون).
{الْحَرَامِ}: نعت لـ (المسجد) مجرور بالكسرة.
{وَمَا}: الواو حالية، ما نافية.
{كَانُوا}: فعل ماض ناقص والواو اسمه.
{أَوْلِيَاءَهُ}: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الفتحة والهاء مضاف إليه.
{إِنْ}: حرف نفي بمعنى (ما).
{أَوْلِيَاؤُهُ}: مبتدأ مرفوع والهاء مضاف إليه.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{الْمُتَّقُونَ}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
{وَلَٰكِنَّ}: الواو عاطفة للاستدراك، لكنّ حرف مشبه بالفعل ينصب الاسم ويرفع الخبر.
{أَكْثَرَهُمْ}: اسم لكنّ منصوب والهاء مضاف إليه.
{لَا}: نافية.
{يَعْلَمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر لكنّ.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
حسم الشبهة وتأكيد استحقاق العذاب: بعد أن بيّن موانع العذاب السابقة، قرر هنا ثبوت العذاب الحتمي ووقوعه بهم؛ لأنهم صدوا عن المسجد الحرام؛ واستفهم استفهاماً إنكارياً تعجيبياً: وأي عذر أو أمان بقي لهم بعد أن طردوا أولياء الله وصدوا عن بيته المعظم؟!
التجريد التام للولاية الشرعية: نفي ولاية المشركين لبيت الله وحصرها في أهل التقوى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة دعوى قريش ملكية الكعبة بحكم الجوار والنسب:
كانت قريش ترى الكعبة ملكاً قبلياً وإرثاً لأجدادهم يتصرفون فيه بمنع من شاؤوا.
الدفع والمحاكمة الشرعية والعقدية:
أسقط القرآن الكريم المعايير العرقية والقبلية في بيوت الله ومقدساته؛ فالمسجد الحرام بيت الله الذي وضعه للناس كافة {سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ} [الحج: 25]؛ فليس ملكاً لقبيلة ولا حكراً لنسب؛ والولاية الشرعية عليه لا تثبت إلا للمتقين الموحدين الذين يعمرونه بالتوحيد والصلاة ويطهرونه من الأرجاس والأصنام؛ فلما وضع المشركون فيه الأصنام وصدوا الموحدين سقطت ولايتهم وصاروا غاصبين معتدين يستحقون القتل والإخراج.
أسلوب القصر والحصر بـ {إِنْ... إِلَّا}: {إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ}؛ قصر الولاية الحقيقية على المتقين؛ دلالة على بطلان ولاية الفاسقين والمشركين للمقدسات والمساجد.
الاستدراك بـ {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ}: كشف لجهلهم المركب؛ يظنون أن النسب والخدمة البدنية الظاهرة مع الشرك تكسبهم الشرف والولاية، ولا يعلمون أن المدار على تقوى القلوب وطهارة العقيدة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المقدسات أمانة المتقين: عمارة المساجد وإدارة المقدسات الإسلامية حق وواجب شرعي لأهل التقوى والأمانة والكفاءة؛ ولا يجوز تمكين الفساق والظلمة من التحكم في بيوت الله وشعائر المسلمين.
سقوط دعاوى الجاهلية: النسب لا يقرب العبد من الله إذا خبث عمله؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن آل بني فلان ليسوا لي بأولياء، إنما وليي الله وصالح المؤمنين».