صحيح مسلم (كتاب الجهاد، باب غزوة حنين وبدر، حديث رقم 1777)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٧٧: يروي الإمام مسلم عن سلمة بن الأكوع وابن عباس رضي الله عنهم: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ كفاً من تراب أو حصباء يوم بدر، ثم استقبل به وجوه المشركين فقال: شاهت الوجوه! ثم رمى بها في وجوههم، فما بقي أحد من المشركين إلا دخل في عينيه ومنخريه وفمه من ذلك الحصى والتراب، فانهزموا وقُتلوا، فأنزل الله تعالى: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ}».
تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 438)جامع البيانالطبري١٣/٤٣٨: يروي الطبري عن عروة بن الزبير ومجاهد والسدي ومحمد بن إسحاق: أن الله تعالى يزكي نفوس المؤمنين وينزع منها العجب والغرور؛ فبين لهم أن قتلهم لصناديد قريش لم يكن بحولهم وقوتهم، بل الله هو الذي أمدهم بالملائكة وألقى الرعب في قلوب المشركين وثبت أقدام المسلمين حتى أثخنوا فيهم؛ وكذلك رمية النبي صلى الله عليه وسلم: أنت رميت يا محمد قبضة الحصباء حساً وكسباً، ولكن الله هو الذي أوصلها وقذفها في عيون ألف مقاتل معجزةً وتأثيراً؛ {وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا} أي ليعطيهم نعمة عظيمة بالنصر والغنيمة والأجر.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 28)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٢٨: يوضح ابن كثير أن البلاء في لغة القرآن يأتي بمعنى الاختبار بالنعمة كما يأتي بالشدة؛ كما قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً}، والبلاء الحسن هنا هو النصر والظفر والتمكين والغنيمة الكريمة؛ ليعرفوا قدر نعمة الله ويشكروه عليها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ}: الرمي هو قذف الشيء عن اليد بالدفع في الهواء؛ والمراد رمية الحصباء المعجزة.
{وَلِيُبْلِيَ}: البلاء يطلق على الاختبار والامتحان، ويطلق على الإنعام والإنعام العظيم؛ يقال: أبلاه الله إبلاءً وبلاءً حسناً إذا أنعم عليه نعمة شريفة تظهر أثرها عليه.
{فَلَمْ}: الفاء استئنافية، (لم) حرف نفي وجزم وقلب.
{تَقْتُلُوهُمْ}: فعل مضارع مجزوم بـ (لم) وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو فاعل، والهاء مفعول به والميم علامة الجمع.
{وَلَٰكِنَّ}: الواو عاطفة للاستدراك، لكنّ حرف توكيد واستدراك ونصب.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة اسم لكنّ منصوب بالفتحة.
{قَتَلَهُمْ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به، والجملة في محل رفع خبر لكنّ.
{وَمَا}: الواو عاطفة، (ما) نافية.
{رَمَيْتَ}: فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل.
{إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان متعلق بـ (رميت) المنفي أو المحذوف.
{رَمَيْتَ}: فعل ماض والتاء فاعل، والجملة في محل جر بالإضافة لـ (إذ).
{وَلَٰكِنَّ}: حرف استدراك ونصب.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة اسم لكنّ منصوب.
{رَمَىٰ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر، وجملة رمى في محل رفع خبر لكنّ.
{وَلِيُبْلِيَ}: الواو عاطفة، اللام لام التعليل، يبلي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والفاعل مستتر تقديره هو.
{الْمُؤْمِنِينَ}: مفعول به أول منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{مِنْهُ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يبلي) أو بمحذوف حال.
{بَلَاءً}: مفعول مطلق منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، أو مفعول به ثانٍ.
{حَسَنًا}: نعت لـ (بلاء) منصوب بالفتحة، والمصدر المؤول معطوف على فعل محذوف تقديره: فعل ذلك ليقهر الكافرين وليبلي المؤمنين منه بلاء حسناً.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: اسم إن منصوب.
{سَمِيعٌ}: خبر أول لـ إن.
{عَلِيمٌ}: خبر ثانٍ مرفوع.
القراءات المتواترة:
قرأ الجمهور: {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ} بتشديد النون ونصب لفظ الجلالة في الموضعين.
وقرأ حمزة والكسائي: {وَلَٰكِنِ اللَّهُ قَتَلَهُمْ} و{وَلَٰكِنِ اللَّهُ رَمَىٰ} بتخفيف النون وإسكانها وحركت بالكسر للساكنين، ورفع لفظ الجلالة على الابتداء، وهما لغتان فصيحتان.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم البديع هو قمة التصفية الروحية لقلوب المجاهدين؛ بعد أن حقق المسلمون هذا الفتح المبين ببدر وقتلوا صناديد قريش وأثخنوا فيهم، كانت النفوس البشرية معرضة لأن يداخلها الزهو أو الفخر والاعتداد بالقوة الشخصية؛ فنزلت هذه الآية لتقطع عروق الكبر والعجب من جذورها: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ ۚ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ}.
التناسب التام بين نفي الفعل وإثباته: جمع بين إثبات كسب العبد الحسي، ونفي التأثير الحقيقي واستقلاله بالخلق والإيصال؛ لترسيخ كمال التوحيد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين نفي الرمي وإثباته {وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ} والرد على الجبرية والمعتزلة:
استدلت الجبرية بهذه الآية على سلب قدرة العبد واختياره وزعموا أن العبد كالريشة في مهب الريح ليس له فعل البتة! واستشكلت المعتزلة الآية فزعموا أن الرمي المنفي هو غير الرمي المثبت!
الدفع والمحاكمة العقدية العميقة عند أهل السنة والجماعة:
الآية من أعظم براهين مذهب أهل السنة والحديث؛ حيث فرقت بحكمة ربانية بين مرحلتين في الفعل الإنساني:
مرحلة الحذف والإطلاق والمباشرة (الكسب البشري): وهذا ما أثبته الله لنبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {إِذْ رَمَيْتَ}؛ فأثبت له فعل الرمي كسباً ومباشرة بالأصابع وقذفاً للحصى.
مرحلة الإيصال والتأثير الخارق (الخلق والتقدير الإلهي): وهذا ما نفاه الله عن نبيه ونسبه لذاته العلية بقوله: {وَمَا رَمَيْتَ... وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ}؛ لأن كفاً صغيرة من الحصى لا يمكن في طاقة البشر ولا قوانين الطبيعة أن تصل إلى عيون ألف مقاتل في مساحة متباعدة في لحظة واحدة وتعمي أبصارهم جميعاً؛ فإيصال الحصى إلى عيون الجيش كله كان فعلاً إلهياً معجزاً وخلقاً لله تعالى وحده؛ فانتفى التناقض وثبت كسب العبد مع خضوعه المطلق لربوبية الله وتدبيره.
أسلوب نفي وإثبات معجز (المجاز والمقابلة): نفي الفعل أولاً لإسقاط الاعتماد على الحول والقوة، ثم إثباته في موضع الشرط لبيان الأخذ بالأسباب، ثم رده إلى المسبب الحقيقي بـ {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ}.
التعبير بـ {بَلَاءً حَسَنًا}: استعمال لفظ البلاء الشائع في الشدة للتعبير عن النعمة؛ للإشعار بأن النعم اختبارات وابتلاءات تكليفية تستوجب الشكر والخضوع لله، كما أن المحن ابتلاءات تستوجب الصبر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استحضار فضل الله في كل نجاح: إذا وفق الله العبد في دعوة أو جهاد أو علم أو مال، فالواجب عليه أن يخر ساجداً شاكراً معلناً: {فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ}؛ فالفضل للملهم والموفق والميسر وليس لذكاء العبد وقوته.
تجريد الإخلاص وإسقاط العجب: العجب محبط للعمل وموجب للخذلان؛ ومن نسب النصر لنفسه أو سلاحه وكل إلى حوله، ومن تبرأ من حوله وقوته أمده الله بمدد من عنده.