تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 434)جامع البيانالطبري١٣/٤٣٤: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة في تفسير الاستثناءين الشرعيين في التولي:
{إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِّقِتَالٍ}: هو الذي ينعطف ويزول من موضع إلى موضع لمكيدة الحرب وتدبير القتال؛ كأن يري عدوه أنه يفر منه ليتبعه العدو فيتمكن من ضربه أو يستدبر الشمس أو ينتقل إلى موضع أصلب أو يستند إلى جبل وموضع حصين؛ فهذا ليس بفار بل هو من أمهر المقاتلين؛ كقول العرب: "الحرب خدعة".
{أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٍ}: هو الذي ينحاز وينضم إلى جماعة المسلمين وكتيبتهم وسريتهم أو إلى معسكر الإمام ليتعزز بهم ويستجمع قواه ثم يعاود الهجوم؛ كما روى أبو داود والترمذي عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما في سرية بعثهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحاص الناس حيصة ورجعوا إلى المدينة خائفين وقالوا: يا رسول الله نحن الفرارون! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا، بل أنتم العكارون - أي الكرارون - وأنا فئتكم وأنا فئة كل مسلم».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 26)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٢٦: يوضح ابن كثير الوعيد الشديد في قوله: {فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ}: أي رجع وانقلب واستوجب غضب الجبار سبحانه، ومستقره ومصيره جهنم وبئس المصير؛ إلا في هذين الاستثناءين الحربيين التكتيكيين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{مُتَحَرِّفًا}: التحرف تفعل من الحرف وهو الطرف والجانب؛ وتحرف للقتال إذا مال عن جهته إلى جهة أخرى لطلب مصلحة في القتال ومكيدة العدو.
{مُتَحَيِّزًا}: التحيز تفعل من الحيز وهو المكان المنضم بعضه إلى بعض؛ وتحيز إلى فئة إذا فارق مكانه وانضم إلى حيز جماعة أخرى من المسلمين لمعاونتهم والقتال معهم.
{بَاءَ}: رجع وانقلب محملاً بالوزر؛ يقال: باء بإثمه إذا احتمله ورجع به.
{مَأْوَاهُ}: المأوى اسم مكان من أوى يأوي، وهو المرجع والمستقر والملجأ.
الإعراب والتركيب:
{وَمَن}: الواو استئنافية، (مَن) اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
{يُوَلِّهِمْ}: فعل مضارع مجزوم فعل الشرط وعلامة جزمه حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره هو، والهاء مفعول به أول والميم علامة الجمع.
{يَوْمَئِذٍ}: يوم ظرف زمان منصوب متعلق بـ (يولهم)، (إذ) اسم ظرفي مبني على السكون وحرك بالكسر للتنوين، وهو مضاف إليه.
{دُبُرَهُ}: مفعول به ثانٍ منصوب والهاء مضاف إليه.
{إِلَّا}: أداة استثناء ملغاة للحصر.
{مُتَحَرِّفًا}: حال منصوبة من فاعل (يولهم)، أو استثناء منقطع.
{لِّقِتَالٍ}: جار ومجرور متعلقان بـ (متحرفاً).
{أَوْ}: حرف عطف للتقسيم.
{مُتَحَيِّزًا}: معطوف على متحرفاً منصوب مثله.
{إِلَىٰ فِئَةٍ}: جار ومجرور متعلقان بـ (متحيزاً).
{فَقَدْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، قد حرف تحقيق.
{بَاءَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو.
{بِغَضَبٍ}: جار ومجرور متعلقان بـ (باء).
{مِّنَ اللَّهِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف نعت لـ (غضب).
{وَبِئْسَ}: الواو استئنافية، بئس فعل ماض جامد لإنشاء الذم.
{الْمَصِيرُ}: فاعل بئس مرفوع بالضمة، والمخصوص بالذم محذوف تقديره (جهنم)، والجملة استئنافية لا محل لها.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الاستثناء العسكري الحكيم في صلب التشريع الصارم: بعد أن حرم التولي والفرار تحريماً جازماً في الآية السابقة، لم يدع النص على إطلاقه الظاهر الذي قد يجمد حركة القادة في المناورات الحربية؛ بل فتح باب المرونة والتكتيك العسكري بالاستثناءين (التحرف لقتال، والتحيز إلى فئة)؛ ليجمع التشريع الإسلامي بين ذروة الصرامة العقدية في منع الجبن والخور، وذروة الذكاء الميداني في استيعاب فنون القتال والمناورة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مصير من فر من الزحف وهل يخلد في النار كالكفار؟:
استشكلت الخوارج والمعتزلة قوله: {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ ۖ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ} فكفّروا مرتكب الكبيرة وزعموا تخليده في جهنم!
الدفع والمحاكمة العقدية عند أهل السنة والجماعة:
هذا من نصوص الوعيد المطلقة التي لا تستلزم خلود مرتكب الكبيرة من المسلمين في النار؛ فمذهب السلف قاطبة أن التولي يوم الزحف من أعظم كبائر الذنوب الموبقة، ولكنه دون الشرك؛ وصاحبه تحت مشيئة الله في الآخرة: إن شاء عذبه بقدر ذنبه ثم أخرجه بالشفاعة إلى الجنة، وإن شاء غفر له؛ لقوله المحكم: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ} [النساء: 48].
ويدخل تحت الاستثناء من تحيز إلى فئة المسلمين في أي موضع، كما فسر النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
التعبير بـ {بَاءَ بِغَضَبٍ}: تصوير مهيب لمن يفر من الزحف؛ كأنه خرج يبتغي السلامة فما رجع بشيء من غنيمة أو عافية حقيقية، بل انقلب وهو يحمل على عاتقه غضب الجبار سبحانه؛ وخسران لا ربح معه.
صيغة الذم {وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}: تذييل يقطع كل طمع في النجاة لمن لقي الله على هذا الذنب دون توبة أو رحمة؛ فبئس المآل الذي يستبدله العبد بالشهادة في سبيل الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فقه المناورة العسكرية والسياسية: ليس كل انسحاب جبناً؛ فالانسحاب التكتيكي المدروس لترتيب الصفوف وإيقاع العدو في كمين (التحرف لقتال)، أو الانضمام إلى قيادة أقوى (التحيز إلى فئة) هو عين الحكمة والشجاعة التي أقرها القرآن وسار عليها قادة الإسلام كخالد بن الوليد في مؤتة.
خطورة الهزيمة النفسية: التولي المجرد عن مصلحة القتال هو خيانة للأمة وطعنة في ظهر المجاهدين؛ فمن استعلى بربه ثبت في الميدان حتى يظفر بالنصر أو ينال الشهادة.