تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 560)جامع البيانالطبري١٣/٥٦٠: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أن الله تعالى يضع قواعد النصر والتمكين:
طاعة الله ورسوله في السلم والحرب: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ}.
النهي الصارم عن التنازع والفرقة والاختلاف: {وَلَا تَنَازَعُوا}.
بيان عاقبة التنازع الكارثية: الجبن والضعف وخور القوى: {فَتَفْشَلُوا}، وزوال القوة والدولة والنصر: {وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}؛ قال قتادة والسدي: ريحكم يعني نصركم وقوتكم ودولتكم وهيبتكم في قلوب عدوكم؛ وكانت العرب تقول: "هبت رياح فلان" إذا أقبل أمره ودولته ونفذت قوته؛ فإذا اختلفوا سكنت ريحهم وذهبت هيبتهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 66)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٦٦: يوضح ابن كثير أن الصحابة رضي الله عنهم طبقوا هذا الأدب القرآني في بدر وفي فتوحاتهم بأعلى درجات الانضباط؛ فكانوا يداً واحدة على من سواهم، لا يتنازعون أمام عدوهم، ففتحت لهم مشارق الأرض ومغاربها؛ فلما تنازع المسلمون في العصور المتأخرة ذهبت ريحهم وهيبتهم وتداعت عليهم الأمم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تَنَازَعُوا}: النزاع والتنازع هو المخاصمة والتجاذب والاختلاف في الآراء والمواقف.
{فَتَفْشَلُوا}: الفشل هو الجبن وضعف العزيمة وانهيار القوى.
{رِيحُكُمْ}: الريح في الأصل حركة الهواء؛ واستعيرت هنا للقوة والغلبة والنصر والدولة والهيبة وسريان الأمر كجريان الريح المظفرة.
{وَاصْبِرُوا}: الصبر حبس النفس على ما تكره من ألم القتال والمشاق ولزوم الطاعة.
الإعراب والتركيب:
{وَأَطِيعُوا}: الواو عاطفة، أطيعوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة مفعول به منصوب.
{وَرَسُولَهُ}: معطوف منصوب والهاء مضاف إليه.
{وَلَا}: الواو عاطفة، (لا) ناهية جازمة.
{تَنَازَعُوا}: فعل مضارع مجزوم بـ (لا) وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل.
{فَتَفْشَلُوا}: الفاء فاء السببية، تفشلوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية في جواب النهي وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل.
{وَتَذْهَبَ}: معطوف على (تفشلوا) منصوب بالفتحة الظاهرة.
{رِيحُكُمْ}: فاعل مرفوع بالضمة والكاف مضاف إليه والميم علامة الجمع.
{وَاصْبِرُوا}: معطوف أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: اسم إن منصوب.
{مَعَ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر إن.
{الصَّابِرِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجملة تعليلية لا محل لها.
القراءات المتواترة:
قرأ ابن عامر: {وَتَذْهَبُ رِيحُكُمْ} برفع تاء تذهب على الاستئناف (أي والأمر تذهب ريحكم).
وقرأ الباقون: {وَتَذْهَبَ} بنصب الباء عطفاً على (تفشلوا) في جواب السببية.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تكامل خماسي معجز لشروط النصر في آيتين (45 و46):
الثبات: {فَاثْبُتُوا}.
ذكر الله واستدامة الصلة به: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا}.
طاعة القيادة والشرع: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ}.
وحدة الصف واجتناب الخلاف الداخلي: {وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}.
الصبر على الشدائد: {وَاصْبِرُوا}.
هذا الإحكام يمثل المعادلة الرياضية العسكرية القرآنية التي لا تتخلف في أي صراع حضاري أو عسكري.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة وقوع الاختلاف في الآراء والمشاورة وهل يدخل في التنازع المنهي عنه؟:
هل المشاورة واختلاف وجهات النظر قبل اتخاذ القرار يعتبر تنازعاً محرماً؟
الدفع والمحاكمة الشرعية والإدارية الدقيقة:
التنازع المنهي عنه هو: التخاصم، وتفرق القلوب، والتمرد على القرارات بعد إبرامها، والانشقاق في الصفوف، وتقديم الأهواء وحظوظ النفوس.
أما إبداء الرأي في دائرة الشورى والمناصحة بأدب واحترام قبل استقرار الأمر فهذا مشروع ومأمور به؛ فإذا نزل القرار وعزم القائد وجب السمع والطاعة وانحسم الخلاف، وصار النزاع حينئذ معصية تفضي إلى الفشل وذهاب الريح.
الاستعارة التصريحية البديعة في {رِيحُكُمْ}: شبه غلبة الأمة وقوتها وهيبتها ونفاذ أمرها في الآفاق بالريح الشديدة التي تدفع السفن وتقتلع قوى العدو؛ فإذا تنازعوا ركدت الريح وسكنت وتلاشت فصارت سفينتهم عاجزة في لجة البحر.
الفاء السببية في {فَتَفْشَلُوا}: دلالة على سرعة ترتب الهزيمة النفسية والعسكرية على التنازع؛ فما تنازعت أمة في مواجهة عدوها إلا كان الفشل حليفها المباشر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وحدة الصف فريضة وجودية: التنازع والشقاق داخل الصف المسلم هو أخطر أسلحة العدو؛ وما عجز الأعداء عن تحقيقه بالسلاح يحققونه بزرع بذور الخلاف بين المسلمين؛ فوحدة الصف أغلى ما يجب الحفاظ عليه.
معية الله للصابرين: الصبر هو حبل النجاة؛ ومعية الله الخاصة بالنصر والتأييد لا تنال إلا بالصبر على مشاق التكاليف والصبر على مخالفات الإخوان والصبر في وجه الأعداء.