صحيح مسلم (كتاب الإيمان، باب كون الإسلام يهدم ما قبله، حديث رقم 121)مصدر غير محددحديث رقم ١٢١: روى مسلم عن عمرو بن العاص رضي الله عنه في قصة إسلامه قال: «فلما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقلت: ابسط يمينك فلأبايعك، فبسط يمينه، قال: فقبضتُ يدي، فقال: ما لك يا عمرو؟ قلت: أردت أن أشترط! قال: تشترط بماذا؟ قلت: أن يُغفر لي! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما علمتَ يا عمرو أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله؟!».
تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 524)جامع البيانالطبري١٣/٥٢٤: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد والسدي: أن الله تعالى يفتح باب الرحمة والمغفرة لألد أعدائه من كفار قريش والمشركين الذين قاتلوا في بدر ومكروا في دار الندوة؛ فيأمر نبيه أن يبلغهم: {إِن يَنتَهُوا} عن الكفر والشرك والعداوة ويدخلوا في الإسلام يغفر الله لهم جميع ما سلف ومضى من ذنوبهم وشركهم وقتالهم؛ {وَإِن يَعُودُوا} إلى الكفر والقتال ومحاربة الرسول فقد مضت سنة الله في القرون الأولى بإهلاك المكذبين واستئصالهم، وسيعجل لهم الخزي في الدنيا بالعذاب والقتل كما وقع بأشياعهم في بدر.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 394)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٩٤: يقرر القرطبي إجماع الأمة على أن الكافر الحربي أو الذمي إذا أسلم سقطت عنه كل الذنوب والمظالم السابقة من كفر وقتل ونهب؛ تفضلاً من الله وترغيباً في الدخول في الإسلام، عملاً بهذه الآية والحديث النبوي الصحيح.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَنتَهُوا}: الانتهاء هو الكف والترك والنزوع عن الأمر بالكلية؛ والمراد الانتهاء عن الكفر ومحاربة الإسلام والدخول في التوحيد.
{سَلَفَ}: السلف هو ما مضى وتقدم وانقضى من الزمان والعمل؛ وسلف الرجل آباؤه المتقدمون.
{سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ}: السنة هي الطريقة المتبعة والعادة المستقرة؛ وسنة الله في الأولين هي نصرة الرسل واستئصال المكذبين وقهر الطغاة.
الإعراب والتركيب:
{قُل}: فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر تقديره أنت.
{لِّلَّذِينَ}: اللام حرف جر، الذين اسم موصول مجرور باللام متعلق بـ (قل).
{كَفَرُوا}: صلة الموصول.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{يَنتَهُوا}: فعل مضارع مجزوم فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل.
{مَّا}: اسم موصول مبني في محل رفع نائب فاعل لـ (يغفر).
{قَدْ}: حرف تحقيق.
{سَلَفَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة صلة الموصول، والمصدر المقول في محل نصب مقول القول لـ (قل).
{وَإِن}: الواو عاطفة، إن شرطية.
{يَعُودُوا}: فعل مضارع مجزوم فعل الشرط والواو فاعل.
{فَقَدْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، قد حرف تحقيق.
{مَضَتْ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة، والتاء للتأنيث.
{سُنَّتُ}: فاعل مرفوع بالضمة وهو مضاف.
{الْأَوَّلِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجملة في محل جزم جواب الشرط والتقدير: وإن يعودوا فلينتظروا مثل سنة الأولين في الهلاك.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الجمع البديع بين الترغيب الأقصى والترهيب الأقصى:
بعد أن توعدهم بالحسرة والغلبة والحشر في جهنم وركمهم كالأوساخ، لم يقنطهم من رحمة الله؛ بل فتح لهم باب النجاة والتوبة: {إِن يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُم مَّا قَدْ سَلَفَ}؛ ليعلموا أن الإسلام دين هداية ورحمة لا دين انتقام وتشفي.
ثم أعقب ذلك بالتحذير الحازم إن اختاروا العناد: {وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مسألة قضاء الصلاة والزكاة وحقوق الآدميين على الكافر بعد إسلامه:
هل يجب على من أسلم قضاء ما فاته من العبادات أو رد ما غصبه في حال كفره؟
الدفع والمحاكمة الفقهية المقارنة:
نصت الآية الكريمة وقررت السنة النبوية والإجماع المستقر أن الكافر إذا أسلم يغفر الله له كل ما سلف؛ فلا يلزمه قضاء صلاة ولا صيام ولا زكاة بالإجماع؛ تيسيراً للدخول في الدين.
وكذلك الدماء والأموال التي أتلفها في الحرب أو المعاملات الجاهلية لا تطالب الشريعة بقصاصها ولا ضمانها؛ لأن الإسلام يجبّ ما قبله؛ وبذلك أسلم كبار قادة المشركين كخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية وأبو سفيان فصاروا من كبار قادة المسلمين وصحابة رسول الله الأبرار.
التعبير بالموصول المبهم {مَّا قَدْ سَلَفَ}: إشعار بسعة المغفرة والمسامحة؛ فكل ما سلف مهما عظم من الكفر والشرك وقتل الصالحين يمحوه نور التوحيد والتوبة الخالصة.
الإيجاز بالحذف في جواب {وَإِن يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الْأَوَّلِينَ}: حذف الجواب لدلالة ما بعده عليه؛ والتقدير: فسنعذبهم ونهلكهم ونسلط عليهم رسلنا كما مضت سنتنا في إهلاك الأمم السابقة؛ وهو أبلغ في التهويل من التصريح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سعة رحمة الله وقبول التائبين: لا ييأس أحد من رحمة الله مهما بلغت ذنوبه؛ فإذا كان الله يغفر لمن حارب رسوله صلى الله عليه وسلم وقتل الصحابة إذا تاب وأسلم، فكيف بمن كان مسلماً موحداً ثم زلّ وتاب وأناب؟!
أدب الداعية في فتح أبواب الأمل: الداعية الحكيم لا يوصد الأبواب في وجوه الخصوم، بل يقرن قوة الصدع بالحق بفتح آفاق التوبة والعفو والصفح لمن تاب ورجع.