أسباب النزول ومرويات الباب: نزلت هذه الآية الكريمة تحذيراً لأولئك الأسرى المشركين الذين قد يضمرون المكر، أو يظهرون للمسلمين الموافقة والإسلام بألسنتهم كذباً للتخلص من الأسر والفداء، ثم إذا أُطلقوا عادوا إلى خيانة النبي صلى الله عليه وسلم والكفر والمحاربة؛ فبين الله لنبيه وللمؤمنين أن غدرهم لا يضر إلا أنفسهم.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 89)جامع البيانالطبري١٤/٨٩: إن قصد هؤلاء الأسرى بخروجهم من أيديكم خيانتك يا محمد بنكث العهود والمكر بك وبالمؤمنين، فلا تكترث لمكرهم؛ فإنهم قد ارتكبوا الخيانة الأعظم من قبل حين كفروا بالله وجحدوا توحيده وحاربوا أولياءه، فعاقبهم الله بأن أمكنك منهم وأظفرك برقابهم وأموالهم يوم بدر، وهو قادر على أن يعيد إمكانه منك عليهم إن عادوا لخداعهم.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 96)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٩٦: أي لا يغرنك ما يظهرونه، فإن كانوا صادقين نفعهم الله، وإن كانوا يريدون الخيانة فالإمكان منهم حاصل كما حصل ببدر، فلا يرهبنك غدرهم.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 57)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٥٧: قوله {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} إشارة إلى النصر الباهر ببدر وقتل صناديدهم وأسر بقيتهم، وفي هذا تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتطمين لقلوب المؤمنين من مغبة إطلاق سراحهم بالفداء.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 326)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٢٦: دلت الآية على أن الكافر المعاهد أو الأسير إن خان الله ورسوله، فإن سنة الله ماضية فيه بالإذلال والظفر به، والله عليم بنياتهم حكيم في تدبير شؤون خلقه ومجازاتهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
خِيَانَتَكَ: الخيانة ضد الأمانة، وهي نقض العهد ونكث الميثاق في خفاء واستغفال، وأصل المادة يدل على النقص؛ لأن الخائن ينقص العهد حقه الواجب.
فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ: خيانة الله هنا هي الشرك به سبحانه وتعطيل حقوق ربوبيته ونقض العهد الفطري وميثاق التوحيد، ومحاربة شريعته ورسله.
فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ: الإمكان والتمكين: القدرة والغلبة والظفر، يقال: أمكنني الله من عدوي أي جعلني قادراً عليه وسلطني عليه حتى صيرته في قبضتي.
الإعراب التفصيلي:
وَإِن: الواو عاطفة، إن حرف شرط جازم.
يُرِيدُوا: فعل مضارع مجزوم بحذف النون وهو فعل الشرط، وواو الجماعة فاعل.
خِيَانَتَكَ: مفعول به منصوب، والكاف ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
فَقَدْ: الفاء رابطة لجواب الشرط، قد حرف تحقيق.
خَانُوا: فعل ماض مبني على الضم، والواو فاعل.
اللَّهَ: لفظ الجلالة مفعول به منصوب بالفتحة الظاهرة.
مِن قَبْلُ: من حرف جر، قبلُ: اسم مبني على الضم في محل جر بـ من لانقطاعه عن الإضافة لفظاً لا معنى، والجار والمجرور متعلق بـ خانوا. وجملة {فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ} تعليلية لجواب الشرط المحذوف، أو هي الجواب على تأويل: فلا تعبأ بهم فإن الله يمكنكم منهم كما أمكنكم لما خانوا من قبل.
فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ: الفاء عاطفة، أمكن فعل ماض فاعله مستتر تقديره هو يعود على الله، ومنهم جار ومجرور متعلق بـ أمكن.
اتفقت القراءات العشر المتواترة على بناء {مِن قَبْلُ} على الضم، وعلى قراءة ألفاظ الآية باتساق تام.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التقابل البديع بين الرجاء والتحذير: في الآية السابقة فتح الله للأسرى باب الرجاء والرحمة التامة إن أصلحوا قلوبهم: {إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا}، وهنا قابل هذا الوعد بالوعيد الرادع الحازم إن أضمروا الغدر والمكر: {وَإِن يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ}؛ ليتكامل الترغيب والترهيب في تربية النفوس وسياسة الحرب والسلم.
الربط بين خيانة الله وسقوط الهيبة: الآية تبين أن من خان الله بالكفر والشرك هان عليه خيانة الخلق بالنكث والغدر، ومن هان على الله أمكن الله منه عباده الصالحين وسلبه التوفيق والنصر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الخوف من إطلاق الأسرى المحاربين:
قد يرى بعض المحللين العسكريين أن إطلاق سراح أسرى بدر بالفداء يمثل خطراً استراتيجياً؛ لأن هؤلاء الأسرى مقاتلون متمرسون قد يعودون لقتال المسلمين وخيانتهم.
الرد والمحاكمة العقلية:
القرآن لم يغفل هذا الاحتمال الاستراتيجي بل واجهه مباشرة في هذه الآية، واضعاً الضمانة الإيمانية والعسكرية العليا: أن الله الذي أمكن المسلمين منهم يوم بدر وهم في قمة بطرهم وقوتهم، قادر على أن يمكن منهم ثانية إن عادوا للمكر.
ربط النصر والتمكين بالله تعالى يبعث الشجاعة في قلوب المسلمين ويزيل عنهم التردد، مع الأخذ بكل أسباب الحيطة واليقظة التي أمرت بها الآيات في السورة عينها.
أثبت التاريخ أن هذه السياسة النبوية الحكيمة كسرت شوكة المشركين النفسية، بل دخل كثير من هؤلاء الأسرى في الإسلام وصاروا من أعظم قادته وجنده.
إسناد الخيانة أولاً للرسول وثانياً لله: قال {خِيَانَتَكَ} بإضافة الخيانة لكاف الخطاب النبوي لأن الغدر المباشر سيكون بنكث العهد معه صلى الله عليه وسلم، ثم عظم الجريمة بقوله {فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِن قَبْلُ}؛ لتقرير أن الاعتداء على رسول الله ومؤمنيه هو اعتداء على حرمات الله ودينه.
حذف مفعول {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ}: لم يقل فأمكنك منهم أو أمكن المسلمين منهم، بل قال {فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ} بالبناء المطلق، ليدل على تمام القهر والغلبة من كل وجه، بحيث صاروا تحت وطأة الإذلال والتمكين التام الذي لا يدفع.
التذييل بـ {عَلِيمٌ حَكِيمٌ}: عليم بضمائرهم ونياتهم الباطنة فلا يخفى عليه خائن، حكيم في تدبير سنن النصر والهزيمة وإعزاز أوليائه وقهر أعدائه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سنة الله في عاقبة الغدر: الخيانة لا تورث إلا الخذلان والمهانة، وكل من بنى خططه على المكر بنكث العهود فإن الله كفيل بإحباط كيده وتمكين الصادقين منه.
السكينة الإيمانية للقادة: ينبغي للقائد المسلم ألا تضطرب قراراته خوفاً من غدر الأعداء المحتمل، بل يمضي على بصيرة من الشرع معتمداً على كفاية الله ومعيته، ما دام متقياً لله محكماً لأمره.