تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 426)جامع البيانالطبري١٣/٤٢٦: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن جريج أن الإشارة في {ذَٰلِكَ}: إشارة إلى هذا القتل والأسر وإلقاء الرعب وضرب الأعناق والبنان؛ أي ذلك العذاب العاجل والإنكال بهم كان جزاءً عادلاً بسبب مشاقتهم لله ورسوله؛ والمشاقة هي العداوة والمباينة والمخالفة، كأنهم صاروا في شق وجانب غير شق الله ورسوله؛ ثم عمم الحكم في كل من سلك مسلكهم: {وَمَن يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 24)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٢٤: يوضح ابن كثير أن الله تعالى عدل حكيم لا يظلم أحداً؛ فلم ينزل بهم هذا العقاب الصارم إلا لاستحقاقهم التام؛ حيث عاندوا الوحي، وحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرجوه وأصحابه من ديارهم، وصدوا عن سبيل الله، واختاروا جانب الشيطان على جانب الرحمن.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{شَاقُّوا}: المشاقة في كلام العرب مأخوذة من الشِّق بكسر الشين وهو الجانب والناحية؛ ومعناها: أن يكون الإنسان في شق وناحية وخصمه في شق آخر؛ فالمشاق لله ورسوله هو المعادي المجاهر بالعداوة الذي انحاز إلى خندق محاربة الشريعة؛ وقيل من الشق بالفتح وهو إيقاع المشقة والأذى.
{شَدِيدُ الْعِقَابِ}: الشدة هي القوة والمتانة وعسر الانفراج؛ والعقاب مأخوذ من العقب وهو الجزاء الذي يعقب الذنب جزاءً وفاقاً.
الإعراب والتركيب:
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبتدأ، واللام للبعد والكاف للخطاب.
{بِأَنَّهُمْ}: الباء حرف جر للسببية، أنّ حرف توكيد ونصب والهاء اسمها والميم علامة الجمع.
{شَاقُّوا}: فعل ماض مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو فاعل.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة مفعول به منصوب بالفتحة.
{وَرَسُولَهُ}: معطوف منصوب والهاء مضاف إليه، وجملة شاقوا في محل رفع خبر أنّ، والمصدر المؤول (بأنهم شاقوا) في محل جر بالباء والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر اسم الإشارة (أي: ذلك العقاب كائن بسبب مشاقتهم).
{وَمَن}: الواو استئنافية، (مَن) اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
{يُشَاقِقِ}: فعل مضارع مجزوم فعل الشرط وعلامة جزمه السكون وحرك بالكسر للساكنين، والفاعل مستتر تقديره هو.
{اللَّهَ}: مفعول به منصوب.
{وَرَسُولَهُ}: معطوف والهاء مضاف إليه.
{فَإِنَّ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، إن حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة اسم إن منصوب.
{شَدِيدُ}: خبر إن مرفوع بالضمة وهو مضاف.
{الْعِقَابِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة، وجملة (إن الله شديد العقاب) في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ (مَن).
القراءات المتواترة:
قرأ الجمهور بإظهار القافين وفك الإدغام {يُشَاقِقِ اللَّهَ} على الأصل.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان التعليل والعدالة الإلهية المطلقة: بعد أن ذكر ما أنزله بالمشركين من الرعب والقتل وضرب الأعناق والبنان، بيّن الحكمة الموجبة لهذا الإنكال حتى لا يظن ظان أن ذلك كان ظلماً أو بطشاً بغير حق؛ فبين أنهم هم الذين جنوا على أنفسهم باختيار المشاقة والعداوة لله ورسوله؛ فالجزاء من جنس العمل.
الانتقال من الخاص (كفار مكة وبدر) إلى العام الجامع العام الدائم (كل من يشاقق الله ورسوله في أي عصر): لتقرير سنة مطردة لا تتخلف.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسبة الشدة والعقاب لله تعالى والرد على الفلسفات التعطيلية:
تحرج بعض المعطلة من إثبات صفة "شدة العقاب" زاعمين أنها تنافي الرحمة الإلهية!
الدفع والمحاكمة العقدية عند أهل السنة والجماعة:
كمال الربوبية والألوهية يقتضي الجمع بين الرحمة للمطيعين والعقاب العادل للظالمين الطغاة؛ فلو استوى المحسن والمسيء في الرحمة لبطلت حكمة الخلق والأمر ولصار الظلم كالعدل؛ فمن رحمته بأوليائه ومستضعفي خلقه أن يقصم الطغاة الجبابرة المشاقين له؛ فعقابه شديد لمن عاند واستكبر، ورحمته وسعت كل شيء لمن آمن واتقى؛ وبذلك يتحقق العدل والكمال المطلق.
البلاغة في التعبير بـ {شَاقُّوا}: استعارة تمثيلية لعمق المفاصلة والعداء؛ كأن المشرك حفر خندقاً وقف فيه محارباً لله ولأوليائه، ومن كان في شق والله في شق فلا محالة أنه الهالك المغمور.
إظهار الاسم الجليل في موضع الإضمار: قال {فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} ولم يقل: "فإنه"، لتربية المهابة والرهبة في النفوس من بطش الإله العظيم الجبار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عاقبة محاربة دين الله محتومة: ما شاقق أحد دين الله وناصب أولياءه العداء إلا قصمه الله؛ وتاريخ الأمم والدول شاهد على أن كل من حاول إطفاء نور الله أهلكه الله وجعله عبرة للمعتبرين.
الحذر من نزعات المشاقة الصغرى: كما أن المشاقة الكبرى كفر وردة، فإن مخالفة أوامر الرسول صلى الله عليه وسلم والابتداع في دينه مشاقة صغرى تعرض صاحبها للفتنة والعذاب الأليم: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [النور: 63].