أسباب النزول ومرويات الباب: لما ذكر الله سبحانه أصناف المؤمنين في الآية (72) وبيّن مراتب ولايتهم، ثم ذكر حال الكافرين وموالاتهم لبعضهم في الآية (73)، عاد في هذه الآية الكريمة ليزكي الرعيل الأول من المهاجرين والأنصار بأعظم تزكية ربانية، حاسماً بها صدق إيمانهم، ومعلناً جزاءهم الأخروي الأوفى.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 101)جامع البيانالطبري١٤/١٠١: هؤلاء الذين آمنوا بالله ورسوله وفارقوا أوطانهم وعشائرهم وجاهدوا لنصرة دين الله، والأنصار الذين آووهم وقاسموهم الدور والأموال، {أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا}، أي الصادقون في إيمانهم حق الصدق، لا كالذين قعدوا أو كالمنافقين الذين يظهرون ما لا يبطنون.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 100)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٠٠: بعد أن بين أحكامهم في الدنيا، عطف ببيان مالهم في الآخرة، فشهد لهم بالإيمان الحقيقي المتحقق بالأعمال الصالحة الجليلة، وضمن لهم مغفرة ذنوبهم ورزقاً كريماً حسناً وهو الجنة ونعيمها المقيم.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 61)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٦١: في هذه الآية أعظم دلالة على عدالة الصحابة الكرام من المهاجرين والأنصار؛ فإن الله تبارك وتعالى شهد لهم بحقيقة الإيمان، ومن شهد الله له بالإيمان والرزق الكريم لم يجز لأحد أن يطعن في عدالته أو ينتقص من فضله.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 327)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٢٧: صدقوا إيمانهم بأعظم البراهين وهي الهجرة والجهاد والإيواء والنصر؛ فالإيمان إذا اقترن به هذا البذل العظيم كان إيماناً حقيقياً مستحقاً للكرامة والرضوان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
حَقًّا: الحق نقيض الباطل، وهو الثابت الذي لا ريب فيه ولا شك يعتريه. والإيمان الحق هو الإيمان الكامل الثابت الذي طابقت فيه الأقوال والأفعال مكنون القلوب.
رِزْقٌ كَرِيمٌ: الرزق العطاء الجاري، والكريم من كل شيء هو أحسنه وأشرفه وأطيبه، والرائجة فيه صفات الجمال والكمال والبركة التي لا يعتريها منّ ولا أذى، وهو نعيم الجنة الخالد.
الإعراب التفصيلي:
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ: الواو استئنافية، الذين مبتدأ أول، وجملة آمنوا صلة الموصول، وما بعدها معطوف عليها.
وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا: الواو عاطفة، الذين معطوف على اسم الموصول الأول، وجملة آووا صلة، ونصروا معطوف.
أُولَٰئِكَ: اسم إشارة مبتدأ ثانٍ، والكاف للخطاب.
هُمُ: ضمير فصل لا محل له من الإعراب (أو مبتدأ ثالث).
الْمُؤْمِنُونَ: خبر لـ أولئك (أو خبر لـ هم، والجملة خبر أولئك)، مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
حَقًّا: مفعول مطلق نائب عن المصدر لفعل محذوف تقديره (حق ذلك حقاً)، أو صفة لمصدر محذوف (إيماناً حقاً)، أو حال مؤكدة لمضمون الجملة. والجملة الاسمية (أولئك هم المؤمنون حقاً) في محل رفع خبر المبتدأ الأول (والذين آمنوا).
لَّهُم: جار ومجرور خبر مقدم.
مَّغْفِرَةٌ: مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة الظاهرة.
وَرِزْقٌ كَرِيمٌ: معطوف على مغفرة، وكريم نعت له، والجملة الاسمية استئنافية لبيان جزائهم أو في محل رفع خبر ثانٍ للمبتدأ الأول.
توجيه القراءات:
القراءات العشر متفقة على رفع {الْمُؤْمِنُونَ} ونصب {حَقًّا} وتنوين {مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التكرار التثبيتي التنويهي بالصحابة: ذكر الله أوصاف المهاجرين والأنصار في الآية (72) لتقرير "أحكامهم الدنيوية" من الولاية والتوارث والنصرة، ثم أعاد ذكرهم بأوصافهم ذاتها في هذه الآية (74) لتقرير "أحكامهم الأخروية" وتزكيتهم الذاتية؛ لإشعار المؤمنين بأن هذه الأفعال (الهجرة، الجهاد، الإيواء، النصرة) هي مقاييس العظمة الإلهية الثابتة.
الاقتران بين المغفرة والرزق الكريم: قدمت المغفرة لتطهير النفوس من كل تبعة ونقص وذنب، ثم ثُنّي بالرزق الكريم ليفيض عليهم من النعيم المقيم في دار الكرامة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تكرار الكلام دون فائدة تأسيسية:
قد يظن من لا بصر له ببلاغة القرآن أن إعادة ذكر المهاجرين والأنصار في الآية (74) بعد ذكرهم في الآية (72) تكرار محض.
الرد والمحاكمة البلاغية:
القاعدة التفسيرية واللغوية تقرر أن: "التأسيس مقدم على التأكيد". والآيتان مختلفتان تماماً في المقصد والسياق:
الآية الأولى (72) جاءت لبيان الأحكام الشرعية والدستورية والدولية للمجتمع المسلم وتنظيم علاقات دار الإسلام بدار الكفر وبالمؤمنين المتخلفين عن الهجرة.
الآية الحالية (74) جاءت لبيان الشهادة الإلهية على نقاء السريرة وصدق العقيدة وتحديد الجزاء الأخروي في جنات النعيم.
التكرار هنا من أبلغ أساليب العرب في التنويه بالممدوح ورفع قدره وإلصاق أوصاف الفخر به ليصير علماً فيها، فالصحابة أهل الهجرة والجهاد والإيواء والنصر استحقوا هذا الإكبار الرباني الذي يتلى إلى قيام الساعة.
أسلوب الحصر والتوكيد: استعمال ضمير الفصل {هُمُ} وتعريف الخبر بـ أل {الْمُؤْمِنُونَ}؛ لإفادة الحصر الإضافي، أي هم المؤمنون الكاملون الذين بلغت درجتهم في الإيمان الغاية التي لا تدانى، كأنه لا إيمان لغيرهم إذا قورن بإيمانهم العظيم.
إسناد الحقية للإيمان: {حَقًّا}؛ مصداقاً لقول القائل: "ليس الإيمان بالتمني ولا بالتحلي، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل". فهؤلاء صدقوا دعواهم بدمائهم وأموالهم وأوطانهم فاستحقوا أن يصف الله إيمانهم بأنه حق لا غبار عليه.
الوصف بالكرم: {وَرِزْقٌ كَرِيمٌ}، الرزق إذا وصف بالكرم دل على أنه لا عناء في تحصيله، ولا منة تنغصه، ولا انقطاع يعتريه، وأنه يلبي أعلى رغبات الروح والبدن في جوار الرب الرحيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدالة الصحابة أصل قطعي: شهادة القرآن للمهاجرين والأنصار بأنهم {هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} تجعل حبهم وتوليهم والترضي عنهم واقتفاء أثرهم ديناً وعقيدة، والطعن فيهم طعناً في شهادة الله عز وجل.
برهان الصدق هو التضحية: على السالك إلى الله أن يبرهن على صدق إيمانه بالبذل العملي ونصرة الدين ومواساة إخوانه، فالإيمان الخالي من التضحية والجهاد إيمان مدخول ضعيف الأثر.