تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 446)جامع البيانالطبري١٣/٤٤٦: يروي الطبري بإسناده عن عبد الله بن ثعلبة بن صعير العذري قال: «كان أبو جهل بن هشام لما التقى القوم قال: اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة - أي أهلكه وأذله - وكان ذلك استنتاحاً منه على نفسه وعلى قريش، فأنزل الله عز وجل: {إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ} الآية».
جامع الترمذي والنسائي في الكبرى ومسند أحمد (ج 5، ص 431)مصدر غير محدد٥/٤٣١صحيح: يروي النسائي وأحمد بإسناد صحيح عن عبد الله بن عباس في قوله: {إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ}: أن المشركين لما خرجوا من مكة أخذوا بأستار الكعبة وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين، وأهدى الفئتين، وأكرم الحزبين، وأفضل الدينين! فاستجاب الله دعاءهم ونصر الفئة الهادية وأهلك الفئة الظالمة؛ فكان الفتح حجة عليهم ووبالاً على رؤوسهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 30)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٣٠: يوضح ابن كثير أن الاستفتاح هو طلب الفتح والقضاء والحكم بين الفئتين؛ كما قال تعالى عن شعيب: {رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ} [الأعراف: 89]؛ فخاطب الله كفار قريش متهكماً بحماقتهم: إن كنتم سألتم الفتح والقضاء بينكم وبين محمد فقد جاءكم الفتح الفاصل وقُتل طغاتكم وتبين المحق من المبطل؛ وإن تنتهوا عن الكفر والعداوة فهو خير لكم، وإن تعودوا إلى الحرب والقتال نعد بهزيمتكم ومحقكم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تَسْتَفْتِحُوا}: الاستفتاح استفعال من الفتح، وله معنيان: أحدهما طلب الفتح وهو النصر، والآخر طلب الحكم والقضاء والفصل بين الخصمين؛ والفتاح هو القاضي الحاكم بلغة حمير.
{الْفَتْحُ}: القضاء الفاصل والظفر والنصر الذي ظهر أثره عياناً.
{تَنتَهُوا}: الانتهاء هو الكف عن الشيء وتركه بالكلية؛ والمراد الكف عن الكفر ومحاربة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
{فِئَتُكُمْ}: الفئة هي الجماعة والطائفة من الناس المتعاضدة؛ من فاء يفيء إذا رجع، لأن بعضهم يفيء إلى بعض في المساعدة.
الإعراب والتركيب:
{إِن}: حرف شرط جازم.
{تَسْتَفْتِحُوا}: فعل مضارع مجزوم فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون والواو فاعل.
{فَقَدْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، قد حرف تحقيق.
{جَاءَكُمُ}: جاء فعل ماض والكاف مفعول به والميم علامة الجمع.
{الْفَتْحُ}: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{وَإِن}: الواو عاطفة، إن شرطية.
{تَنتَهُوا}: فعل مضارع مجزوم والواو فاعل.
{فَهُوَ}: الفاء رابطة، هو ضمير منفصل مبتدأ.
{خَيْرٌ}: خبر المبتدأ مرفوع والجملة في محل جزم جواب الشرط.
{لَّكُمْ}: متعلقان بـ (خير).
{وَإِن}: شرطية.
{تَعُودُوا}: فعل الشرط مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
{وَلَن}: الواو عاطفة أو استئنافية، لن حرف نفي ونصب واستقبال.
{تُغْنِيَ}: فعل مضارع منصوب بـ (لن) وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{عَنكُمْ}: متعلقان بـ (تغني).
{فِئَتُكُمْ}: فاعل مرفوع والكاف مضاف إليه والميم علامة الجمع.
{شَيْئًا}: مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي شيئاً من الإغناء) أو مفعول به ثانٍ.
{وَلَوْ}: الواو للحال، (لو) وصلية.
{كَثُرَتْ}: فعل ماض والتاء للتأنيث والفاعل مستتر تقديره هي، وجواب لو محذوف دل عليه ما قبله.
{وَأَنَّ}: الواو عاطفة، أنّ حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: اسم أنّ منصوب.
{مَعَ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف خبر أنّ.
{الْمُؤْمِنِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء؛ والمصدر المؤول (وأن الله مع المؤمنين) معطوف على ما قبله أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: والأمر أن الله مع المؤمنين.
القراءات المتواترة:
قرأ نافع وابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي وأبو جعفر وخلف العاشر: {وَأَنَّ اللَّهَ} بفتح الهمزة على التأكيد والمصدرية.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: {وَإِنَّ اللَّهَ} بكسر الهمزة على الاستئناف؛ وهو استئناف بياني حاسم لتقرير معية الله للمؤمنين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الختام الباهر للجزء الأول من سورة الأنفال يحكم الطوق البلاغي على معركة بدر:
بدأ المقطع بطلب المشركين واستفتاحهم ودعائهم عند الكعبة وفي الميدان.
فجاء الرد القرآني ملزماً لهم بما طلبوا: {إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ}؛ فالقضاء الذي سألتموه قد وقع وحكم الله عليكم بالخزي.
ثم فتح لهم باب التوبة والإنذار: {وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}.
ثم هددهم بالمعادلة الصارمة: {وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ}.
ثم كشف سر المعادلة الكبرى التي تبطل أثر الأعداد والتسليح: {وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة توجيه الخطاب في {إِن تَسْتَفْتِحُوا} لمن هو؟:
تردد بعض المفسرين هل الخطاب للمؤمنين أم للمشركين؟
الدفع والتحرير التفسيري عند أئمة التحقيق:
جمهور أئمة التفسير والسلف (الطبري وابن عباس ومجاهد وابن كثير والقرطبي) على أن الخطاب لمشركي قريش على سبيل التهديد والتهكم؛ بدليل سبب النزول الصريح في دعاء أبي جهل ومشركي مكة عند الكعبة وبدر.
ويصح أن يكون الخطاب الجامع العاماً للفريقين من وجهين:
للمؤمنين: إن تستفتحوا وتطلبوا النصر فقد جاءكم الفتح والنصر المبين في بدر، فاثبتوا واشكروا.
وللمشركين: إن كنتم طلبتم أن ينصر الله أحق الفئتين فقد فتح الله للمحق وأهلك المبطل؛ ولكن سياق قوله بعدها {وَإِن تَنتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ} يرجح قطوعاً أن صدر الخطاب للمشركين، ثم خُتم بتثبيت المؤمنين: {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ}.
أسلوب التهكم والتفويض الإلزامي: {إِن تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ}؛ استعمال لفظ الفتح الذي كانوا يرجونه لأنفسهم ليكون عنواناً لهزيمتهم وخزيهم؛ وهو من أبلغ أساليب الإلزام بحجة الخصم.
الإيجاز البليغ في {وَإِن تَعُودُوا نَعُدْ}: أربع كلمات حسمت مستقبل الصراع؛ إن تعودوا إلى الشرك والحرب نعد إلى نصر المؤمنين وهزيمتكم؛ وقد عادوا يوم أحد والخندق وحنين، فعاد الله بنصر رسوله وهزيمتهم حتى فُتحت مكة ودخل الناس في دين الله أفواجاً.
ختام المقطع بالمعية الإلهية الخاصة {وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ}: معية النصر والتأييد والحفظ والكفاية، وهي المعية التي تصغر أمامها كل جيوش الأرض وأسلحتها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
عدالة الله تقلب مكر الظالمين عليهم: كم من طاغية يستفتح ويتحدى الحق ويدعو على الصالحين فيجعل الله هلاكه في عين ما استفتح به، كما فعل بأبي جهل وصناديد بدر.
المعية الربانية هي الحصن الأكبر: ميزان النصر في الإسلام ليس ميزاناً عددياً ولا تكنولوجياً مجرداً؛ فالكثرة لا تغني شيئاً إذا تخلت عنها معية الله {وَلَن تُغْنِيَ عَنكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ}؛ فمن كان الله معه فمن عليه؟! ومن كان الله عليه فمن معه؟!