صحيح البخاري (كتاب التفسير، باب ما جاء في فاتحة الكتاب، حديث رقم 4474)مصدر غير محددحديث رقم ٤٤٧٤: روى البخاري عن أبي سعيد بن المعلى رضي الله عنه قال: «كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم أُجبه، ثم أتيته فقلت: يا رسول الله إني كنت أصلي! فقال: ألم يقل الله تعالى: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}؟! ثم قال لي: لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد... قال: هي {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته».
تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 461)جامع البيانالطبري١٣/٤٦١: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {لِمَا يُحْيِيكُمْ}؛ قال قتادة: هو هذا القرآن فيه النجاة والحياة الأبدية في الدنيا والآخرة؛ وقال السدي وابن إسحاق: هو الجهاد في سبيل الله أعزكم الله به بعد الذل وأحياكم به بعد الموت؛ وقال ابن عباس في قوله {يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}: يحول بين المؤمن وبين الكفر، ويحول بين الكافر وبين الإيمان، ويصرف القلوب كيف يشاء سبحانه.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 35)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٣٥: يوضح ابن كثير حديث النواس بن سمعان الكلابي في صحيح مسلم: «ما من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{اسْتَجِيبُوا}: الاستجابة هي الإجابة بالطاعة والقبول والامتثال الفوري؛ والسين والتاء للمبالغة في الطلب.
{يُحْيِيكُمْ}: الحياة الحقيقية هي حياة الأرواح والقلوب بالإيمان والوحي، وحياة العزة والكرامة بالجهاد، والحياة الأبدية في جنات النعيم.
{يَحُولُ}: الحول والحيلولة هي المنع والحجز والتفريق بين الشيئين؛ يقال: حال بيني وبين كذا إذا حجز ومنع.
الإعراب والتركيب:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: نداء للمؤمنين.
{اسْتَجِيبُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل.
{لِلَّهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (استجيبوا).
{وَلِلرَّسُولِ}: معطوف مجرور.
{إِذَا}: ظرف زمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{دَعَاكُمْ}: فعل ماض مبني على الفتح المقدر على الألف، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الرسول، والكاف مفعول به والميم علامة الجمع.
{لِمَا}: اللام حرف جر، (ما) اسم موصول مبني في محل جر متعلق بـ (دعاكم).
{يُحْيِيكُمْ}: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر، والكاف مفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{وَاعْلَمُوا}: الواو عاطفة، اعلموا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{أَنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة اسم أنّ منصوب بالفتحة.
{يَحُولُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة والفاعل مستتر تقديره هو، وجملة يحول في محل رفع خبر أنّ، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي اعلموا.
{بَيْنَ}: ظرف مكان منصوب متعلق بـ (يحول) وهو مضاف.
{الْمَرْءِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَقَلْبِهِ}: معطوف مجرور والهاء مضاف إليه.
{وَأَنَّهُ}: الواو عاطفة، أنّ واسمها معطوف على المصدر المؤول السابق.
{إِلَيْهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (تحشرون) قُدما للحصر.
{تُحْشَرُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل، والجملة في محل رفع خبر أنّ.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة العظمى بين الموت والحياة: بعد أن وصف الكفار والمنافقين في الآيات السابقة بأنهم أموات صم بكم لا يعقلون، نادى المؤمنين بهذا النداء المشرق: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ}؛ ليعلموا أن شريعة الإسلام وأوامر الجهاد ليست أثقالاً وتكاليف تكبت الحياة، بل هي عين الحياة الحقيقية وباعثة الأرواح من مواتها.
التعقيب بـ {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}: تحذير مرعب من التسويف في الاستجابة؛ فمن تهاون في الاستجابة الفورية لله ولرسوله عُوقب بحيلولة الله بينه وبين قلبه فزاغ قلبه وقسا ومات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة إفراد الضمير في {إِذَا دَعَاكُمْ}:
لماذا قال {إِذَا دَعَاكُمْ} بالإفراد ولم يقل: "إذا دعواكم" أو "إذا دعياكم" بالتثنية؟
الدفع والمحاكمة البيانية:
الداعي المباشر والمواجه للأمة بالتبليغ والنطق هو الرسول صلى الله عليه وسلم، ودعوته هي عين دعوة الله؛ فاكتفى بضمير الرسول لكونه المبلغ، أو يعود على الله تعالى لكونه الآمر الحقيقي؛ وجمعهما يقتضي التطابق التام، وتجنب التثنية في مثل هذا لنفي توهم تعدد المتبوع المستقل.
شبهة تأويل الحيلولة بين المرء وقلبه:
الحيلولة تدل على كمال ملك الله وهيمنته على النفوس والخواطر؛ فلا يملك العبد قلبه ولا مشاعره ولا ثباته إلا بالله؛ فمن تكبر عن الاستجابة حال الله بينه وبين التوبة، ومن افتقر إلى الله ثبته الله على الهدى؛ وختمها بالحشر {وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} لقطع التسويف والتذكير بالمآل.
المجاز والاستعارة في {لِمَا يُحْيِيكُمْ}: استعارة الحياة للإيمان والقرآن والعلم والجهاد؛ لأن البدن بغير إيمان جثة هامدة تمشي على الأرض، والقلب بغير وحي ميت؛ فالحياة الحقيقية هي حياة الروح والكرامة بالدين.
التقديم في {إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ}: تقديم الجار والمجرور يفيد القصر؛ أي إلى الله وحده لا إلى غيره مرجعكم وحشركم، فيجازيكم على سرائر قلوبكم واستجابتكم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المبادرة والفورية في الاستجابة لأمر الله: التسويف سم قاتل؛ ومن فتح له باب طاعة فليبادر قبل أن يغلق، ومن سمع داعي الله فليستجب فوراً لئلا يعاقب بزوال الرغبة وقسوة القلب: {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ}.
افتقار القلب لمقلب القلوب: المؤمن مهما بلغ علمه وصلاحه يظل خائفاً وجلاً من تقلب قلبه، ولهذا كان أكثر دعاء المصطفى صلى الله عليه وسلم: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك».