صحيح البخاري (كتاب التفسير، تفسير سورة الأنفال، حديث رقم 4652)مصدر غير محددحديث رقم ٤٦٥٢: يروي البخاري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: «لما نزلت: {إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} ثقُل ذلك على المسلمين حين فُرض عليهم ألا يفر واحد من عشرة؛ فجاء التخفيف في الآية التي تليها: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}، فكان حكماً شرعياً فرض الله به مصابرة الواحد لعشرة ثم خفف إلى مصابرة الواحد لاثنين».
تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 622)جامع البيانالطبري١٣/٦٢٢: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: {حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ}: أي حثهم وحضهم ورغبهم في الجهاد والشهادة والجنة؛ كما كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعل يوم بدر حين قال لأصحابه: «قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض! فقال عمير بن الحمام: بخ بخ! والله لا يحول بيني وبينها إلا أن يقتلني هؤلاء، ثم رمى تمرات كانت في يده وقاتل حتى استشهد».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 88)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٨٨: يوضح ابن كثير أن الآية صيغت بصيغة الخبر المتضمن للأمر الجازم والوعد المحتوم؛ فالمعنى: فرض الله عليكم أن يثبت العشرون لعشرين ومئتين وألا يفروا أمامهم؛ ثم بيّن العلة النفسية لهزيمة الكفار رغم كثرتهم: {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ}؛ فهم يقاتلون بغير نية ولا إيمان ولا رجاء في ثواب ولا علم بالآخرة، بينما يقاتل المؤمن مستيقناً بإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{حَرِّضِ}: التحريض في اللغة هو الحث البالغ والإحماء والترغيب الشديد في الأمر ودفع الكسل؛ وأصل الحَرَض في اللغة ما شارف على الهلاك من شدة الحزن والمرض؛ وتحريضه إزالة حرضه وضعفه بالحث، أو تنبيهه إلى أنه إن قعد صار في عداد الحرض الهالكين.
{لَّا يَفْقَهُونَ}: الفقه هو دقة الفهم وإدراك مقاصد الأمور؛ ونفي الفقه عنهم لجهلهم بحقيقة التوحيد واليوم الآخر.
الإعراب والتركيب:
{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ}: نداء.
{حَرِّضِ}: فعل أمر مبني على السكون وحرك بالكسر للساكنين، والفاعل مستتر تقديره أنت.
{الْمُؤْمِنِينَ}: مفعول به منصوب بالياء.
{عَلَى الْقِتَالِ}: متعلقان بـ (حرّض).
{إِن}: حرف شرط جازم.
{يَكُن}: فعل مضارع ناقص مجزوم فعل الشرط.
{مِّنكُمْ}: متعلقان بمحذوف خبر يكن مقدم.
{عِشْرُونَ}: اسم يكن مؤخر مرفوع بالواو لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
{صَابِرُونَ}: نعت لـ (عشرون) مرفوع بالواو.
{يَغْلِبُوا}: فعل مضارع مجزوم جواب الشرط بحذف النون والواو فاعل.
{مِائَتَيْنِ}: مفعول به منصوب بالياء لأنه مثنى.
{وَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ}: معطوف شرطي، مائة اسم يكن مرفوع.
{يَغْلِبُوا}: جواب الشرط مجزوم.
{أَلْفًا}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{مِّنَ الَّذِينَ}: متعلقان بمحذوف نعت لـ (ألفاً).
{كَفَرُوا}: صلة الموصول.
{بِأَنَّهُمْ}: الباء سببية، أنّ واسمها، والمصدر المؤول متعلق بـ (يغلبوا).
{قَوْمٌ}: خبر أنّ مرفوع بالضمة.
{لَّا}: نافية.
{يَفْقَهُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع نعت لـ (قوم).
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النقلة العملية من الكفاية الروحية إلى النفير الميداني:
بعد أن قرر في الآية السابقة أن الله حسب النبي وحسب المؤمنين.
أمره هنا بعدم الاتكال البارد، بل بمباشرة التحريض الحار والاستنهاض العسكري للجيش: {حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ}.
ثم وضع الميزان العسكري العقدي لمضاعفة القوة الإيمانية: فالواحد الصابر يعدل عشرة من الكافرين؛ لأن الإيمان يضاعف الطاقة النفسية والقتالية للإنسان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الفارق بين صيغة الخبر وصيغة الأمر في موازين المقاتلة:
قوله تعالى: {يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ} صيغته خبرية، فهل هو خبر أم أمر تكليفي؟
الدفع والمحاكمة الأصولية عند أئمة الفقه والحديث:
هذا أسلوب قرآني معجز؛ "خبر لفظاً أريد به الأمر والفرض الشرعي"؛ أي: اثبتوا إذا كان العشرون منكم يواجهون مئتين، ويحرم عليكم الفرار؛ وهو في الوقت نفسه وعد وبشارة بالنصر إذا تحقق شرط الصبر {صَابِرُونَ}؛ فالإخبار بغلبة القلة للكثرة تشجيع وبشارة، وتضمنه للأمر إيجاب للثبات وعدم التولي.
التعليل بـ {بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ}: تحليل نفسي حربي عبقري؛ الكافر لا فقه عنده ولا عقيدة تمنحه الثبات، فهو يقاتل للدنيا فقط، فإذا رأى الموت تزلزل وفر؛ أما المؤمن فموصول بنور الفقه بالله وعالم الخلود، فيستصغر الموت طلباً للجنة؛ وبذلك يغلب الواحد عشرة.
تكرار قيد الصبر {صَابِرُونَ}: لبيان أن مضاعفة القوة ليست هبة مجانية لكل منتسب للإيمان، بل هي مشروطة بالصبر الراسخ واحتساب الأجر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وظيفة القائد في شحذ الهمم: التحريض الإيماني وبث روح الحماسة والجهاد وتذكير الأتباع بالجنة والخلود واجب أصيل على كل قائد ومربٍ في مواجهة الأزمات.
القوة المعنوية تحطم التفوق المادي: هزيمة الكفار تبدأ من عقولهم وقلوبهم العاجزة عن إدراك الحقائق؛ فالمعركة معركة وعي ويقين قبل أن تكون معركة حديد ونار.