تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 557)جامع البيانالطبري١٣/٥٥٧: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أن الله تعالى يشرع للمؤمنين أعظم ركيزتين للنصر عند مواجهة الأعداء في ساحات الوغى:
الركيزة الثانية: ملازمة ذكر الله باللسان والقلب بالتكبير والتهليل والدعاء والاستغاثة: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا}؛ ليكون ذلك سبباً حاسماً في نيل الفلاح والظفر: {لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
صحيح البخاري وصحيح مسلم (عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في بعض أيامه التي لقي فيها العدو: «أيها الناس، لا تتمنوا لقاء العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا، واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف! ثم قال: اللهم منزل الكتاب، ومجري السحاب، وهازم الأحزاب، اهزمهم وانصرنا عليهم!».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 65)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٦٥: يوضح ابن كثير أن أشجع الناس هو من جمع بين الثبات بالسيف وذكر الله باللسان والقلب في أحلك أوقات تطاير الرؤوس وتصادم السيوف؛ كما قال عنترة في الجاهلية: "ولقد ذكرتك والرماح نواهل مني وبيض الهند تقطر من دمي"؛ فإذا كان الفارس يذكر حبيبته تحت السيوف، فأولى بالمؤمن أن يذكر خالقه وربه الذي بيده النصر والحياة والموت.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{فِئَةً}: جماعة مقاتلة معادية متكتلة.
{فَاثْبُتُوا}: الثبات ضد الزوال والفرار والاضطراب؛ ثبت في مكانه إذا استقر ولم يتزحزح.
{وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا}: الذكر يشمل ذكر القلب باليقين والتوكل، وذكر اللسان بالتسبيح والتكبير والدعاء.
{تُفْلِحُونَ}: الفلاح هو الظفر بالمطلوب والنجاة من المرهوب وسعادة الدارين.
الإعراب والتركيب:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: نداء للمؤمنين.
{إِذَا}: ظرف زمان شرطي.
{لَقِيتُمْ}: فعل ماض والتاء فاعل والميم علامة الجمع والجملة في محل جر بالإضافة لـ (إذا).
{فِئَةً}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{فَاثْبُتُوا}: الفاء رابطة لجواب الشرط، اثبتوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل والجملة جواب الشرط.
{وَاذْكُرُوا}: معطوف على اثبتوا.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة مفعول به منصوب بالفتحة.
{كَثِيرًا}: مفعول مطلق نائب عن المصدر منصوب بالفتحة (أي ذكراً كثيراً) أو حال.
{لَعَلَّكُمْ}: لعل واسمها.
{تُفْلِحُونَ}: خبر لعل، والجملة تعليلية لا محل لها.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
وضع الدستور الخالد للعقيدة العسكرية الإسلامية:
بعد أن استعرض أحداث بدر والتدبير الإلهي السابق، التفت إلى الأمة بتشريع خالد صالح لكل زمان ومكان عند منازلة الأعداء.
الجمع العبقري بين متطلبات الميدان المادية والروحية:
حركة الجوارح والسلاح: {فَاثْبُتُوا}.
حركة القلوب والألسن: {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا}.
ثم إتباع ذلك بالأخلاق الاجتماعية والعسكرية المانعة للتنازع في الآية التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كيفية الذكر في الحرب وهل يكون بالصياح أم بالسكينة؟:
كان السلف يكرهون رفع الصوت المبالغ فيه بالصياح في الحرب؛ ففي سنن أبي داود: «كان أصحاب رسول الله يكرهون الصوت عند القتال»؛ فكيف يجمع بين ذلك وبين الأمر بـ {وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا}؟
الدفع والمحاكمة الفقهية والمسلكية:
الذكر المأمور به في الحرب هو: ذكر القلب الخاشع الممتلئ بالتوكل، والذكر الخفي باللسان بالتكبير والاستغفار والدعاء مع السكينة والوقار، أو التكبير الجماعي المنضبط عند الحملة العسكرية لإرهاب العدو كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم؛ والمكروه هو الصياح العبثي أو الفزع والاضطراب الذي يذهب هيبة الجيش؛ فالذكر المقترن بالثبات يورث رباطة الجأش وتنزل الملائكة.
الأمر بالكثرة في {كَثِيرًا}: لم يقل: "واذكروا الله" مجرداً، بل قيده بالكثرة؛ لأن هول المعركة يذهل العقول ويطير بالألباب، ولا عاصم من الذهول إلا استدامة الذكر واستحضار معية الله لتظل الروح متصلة ببارئها.
ترتيب الفلاح على الجمع بين الثبات والذكر: دلالة على أن الشجاعة البدنية وحدها قد تورث الغرور والهزيمة إن خلت من ذكر الله، والذكر المجرد بغير ثبات لا يغني؛ فبجمعهما يتحقق الفلاح.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قوة الذكر في مواجهة الصعاب: من اعتاد ذكر الله في الرخاء ثبته الله في أشد الشدائد؛ فذكر الله يطرد الخوف ويزرع الهيبة في قلوب الأعداء.
الارتباط الدائم بالله في كل ميدان: الإسلام لا يفصل بين العبادة وميدان الحياة والجهاد؛ فالمجاهد في خندق القتال عابد يسبح ويكبر ويثبت في سبيل ربه.