تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 472)جامع البيانالطبري١٣/٤٧٢: يروي الطبري بإسناده عن قتادة ومجاهد وعبد الله بن عباس ومحمد بن كعب: أن الله يذكر المؤمنين من المهاجرين والأنصار بأيام مكة وبدايات الدعوة؛ حين كانوا فئة قليلة محصورة في مكة، يعذبهم كفار قريش، ويخشون أن تتخطفهم قبائل العرب من حولهم بالقتل والنهب والأسر؛ فمنّ الله عليهم بثلاث نعم عظمى:
الإيواء إلى المدينة المنورة ودار الهجرة والتآخي بين المهاجرين والأنصار: {فَآوَاكُمْ}.
التأييد بالنصر والتمكين في بدر بالملائكة والرعب: {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ}.
الرزق الحلال من الغنائم والطيبات بعد الفاقة والفقر: {وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ}؛ لكي يقابلوا هذه النعم بالشكر والطاعة والإخلاص: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 38)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٣٨: يورد ابن كثير خطبة قتادة البليغة في هذه الآية: "كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلة، وأجوع الناس جوعة، وأعراهم عرياً، وأبينهم ضلالة، معكوفين على أصنامهم بين أسدين: فارس والروم؛ فلما جاء الله بالإسلام جعلهم ملوكاً في الأرض وأعزهم بعد الذلة وأغناهم بعد العيلة... فاذكروا نعمة الله عليكم فإن ربكم منعم يحب الشاكرين".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{مُّسْتَضْعَفُونَ}: استضعف القوم إذا عدهم ضعفاء واستذلهم وقهرهم.
{يَتَخَطَّفَكُمُ}: الخطف والتخطف هو الأخذ بسرعة واستراب وغيلة؛ وتخطف الطير اللحم إذا انتزعه بسرعة؛ والمراد استئصالهم بالقتل والسبي على عجل.
{فَآوَاكُمْ}: الإيواء هو الضم إلى مأوى وملاذ آمن؛ وآواه إذا أسكنه وحماه وأنزله دار أمن.
{وَأَيَّدَكُم}: التأييد التقوية والتثبيت؛ من الأَيْد وهو القوة، ومنه قوله: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ}.
الإعراب والتركيب:
{وَاذْكُرُوا}: الواو عاطفة أو استئنافية للتذكير بالنعم، اذكروا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{إِذْ}: ظرف لما مضى من الزمان مبني في محل نصب مفعول به لـ (اذكروا).
{أَنتُمْ}: ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{قَلِيلٌ}: خبر المبتدأ مرفوع بالضمة الظاهرة.
{مُّسْتَضْعَفُونَ}: خبر ثانٍ مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم، أو نعت لـ (قليل).
{فِي الْأَرْضِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (مستضعفون).
{تَخَافُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر ثالث، أو في محل نصب حال.
{أَن}: حرف مصدري ونصب.
{يَتَخَطَّفَكُمُ}: فعل مضارع منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة، والكاف مفعول به والميم علامة الجمع.
{النَّاسُ}: فاعل مرفوع بالضمة، والمصدر المؤول (أن يتخطفكم) في محل نصب مفعول به لـ (تخافون).
{فَآوَاكُمْ}: الفاء عاطفة لترتيب النعمة على البلاء، آوى فعل ماض مبني على فتح مقدر، والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به.
{وَأَيَّدَكُم}: معطوف ماض ومفعوله وفاعله مستتر.
{بِنَصْرِهِ}: متعلقان بـ (أيدكم) والهاء مضاف إليه.
{وَرَزَقَكُم}: معطوف ماض ومفعوله.
{مِّنَ الطَّيِّبَاتِ}: متعلقان بـ (رزقكم).
{لَعَلَّكُمْ}: لعل واسمها.
{تَشْكُرُونَ}: خبر لعل، والجملة تعليلية لا محل لها.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا التذكير بالنقلة الحضارية الكبرى يهدف إلى ترسيخ الشكر في النفوس وطرد بواعث الخيانة والتنازع على الأنفال التي افتتحت بها السورة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مدنية السورة وذكر مكة واستضعافها:
استدل بعضهم بهذه الآية على مكية السورة أو بعضها لذكر الاستضعاف بمكة.
الدفع والمحاكمة التاريخية والتفسيرية:
الآية من أقوى الأدلة على مدنية السورة بالكامل؛ لأن التذكير بالاستضعاف السابق {إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ} ومقابلته بالإيواء {فَآوَاكُمْ} والتأييد بالنصر في بدر {وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ} ورزق الغنائم {وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ} لا يصح أن يقع إلا بعد الهجرة وبعد الانتصار في بدر والتمكين بالمدينة؛ فكان التذكير امتناناً بنعمة التحول من الذلة إلى العزة.
التعبير بـ {يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ}: استعارة تمثيلية لشدة الخوف وانعدام الأمان؛ شبه حالهم بحال اللقمة السائغة أو الطريدة الصغيرة الضعيفة التي تتربص بها الجوارح الكاسرة لتنتزعها وتخطفها في غمضة عين.
حرف العطف الفاء في {فَآوَاكُمْ}: يفيد التعقيب المباشر وسرعة إغاثة الله للمضطرين؛ فما إن لجأوا إلى الله وهاجروا حتى فتح لهم أبواب النصر والكرامة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
استذكار البدايات يحمي من الغرور: أعظم دواء للكبر بعد التمكين هو أن يتذكر الإنسان بداياته المتواضعة وضعفه وفقره؛ فذلك يورث انكساراً لله ودوام شكر لنعمه.
سنة التمكين بعد الاستضعاف: الصبر على مرحلة الاستضعاف مع الثبات على التوحيد هو المقدمة الحتمية للإيواء والنصر ورزق الطيبات؛ فدوام الحال من المحال في سنن الله.