تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 401)جامع البيانالطبري١٣/٤٠١: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أن الطائفتين هما:
عير قريش القادمة من الشام بقيادة أبي سفيان المحملة بالأموال والتجارة وليس معها مقاتلون إلا نحو أربعين فارساً (وهي غير ذات الشوكة والسلاح).
نفير قريش وجيشها الخارج من مكة بكامل أسلحته وعدته وصناديد قريش لحماية أموالهم (وهي ذات الشوكة والسلاح والقوة).
فوعد الله المؤمنين بالنصر والظفر بإحدى الطائفتين: إما الغنيمة والأموال بلا قتال شديد، وإما الظفر بالعدو المسلح والنصر المبين في الميدان؛ وكانت رغبة فريق من المؤمنين مائلة إلى الاستيلاء على العير السهلة: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}؛ لكن إرادة الله تعالى العلية اختارت لهم ملاقاة ذات الشوكة لإعلاء كلمة التوحيد واستئصال قادة الشرك.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 14)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٤: يوضح ابن كثير أن مراد الله تعالى كان أعلى وأجل مما ترجوه نفوس العباد؛ فهم يريدون عرضاً زائلاً من الدنيا (العير)، والله يريد لهم النصر العسكري الساحق الذي يزلزل كيان الشرك في جزيرة العرب، ويسقط هيبة قريش، ويقطع دابر صناديدهم؛ لتكون كلمة الله هي العليا.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الطَّائِفَتَيْنِ}: تثنية طائفة، وهي الجماعة أو القطعة من الشيء؛ والمراد فئة العير وفئة الجيش.
{وَتَوَدُّونَ}: الود هو خالص المحبة وتمني الشيء وحصوله.
{ذَاتِ الشَّوْكَةِ}: الشوكة في الأصل واحدة الشوك؛ واستعيرت في كلام العرب للسلاح والقوة والحدة والبأس في الحرب؛ يقال: رجل ذو شوكة إذا كان شديد البأس حاد السلاح؛ وقيل لشدة ألم السلاح كألم وخز الشوك.
{لَكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر تكون، وجملة تكون في محل رفع خبر أنّ، والمصدر المؤول سد مسد مفعولي تودون.
{وَيُرِيدُ}: الواو عاطفة، يريد فعل مضارع مرفوع بالضمة.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع.
{أَن}: حرف مصدري ونصب.
{يُحِقَّ}: فعل مضارع منصوب بأن، والفاعل مستتر تقديره هو.
{الْحَقَّ}: مفعول به منصوب، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لـ (يريد).
{بِكَلِمَاتِهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يحق) والهاء مضاف إليه.
{وَيَقْطَعَ}: معطوف على (يحق) منصوب مثله، والفاعل مستتر.
{دَابِرَ}: مفعول به منصوب بالفتحة وهو مضاف.
{الْكَافِرِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة القرآنية المعجزة بين إرادتين:
إرادة البشر المحدودة القاصرة المائلة إلى الميسور العاجل والأموال السهلة: {وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ}.
إرادة الله العلية الحكيمة المحيطة التي ترتب العواقب الكبرى وتبني مجد الإسلام: {وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}.
هذا التقابل يرسخ في عقل المسلم اليقين بأن اختيار الله للعبد خير من اختيار العبد لنفسه بملايين المرات.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين محبة السلامة وتحصيل الشهادة والجهاد:
كيف يذمهم الله على تمني العير السهلة والمسلم مأمور بطلب السلامة؟
الدفع والمحاكمة العقلية والتربوية:
ليس في الآية ذم تكليفي يوجب الإثم، وإنما هو عتاب رباني وتنبيه على قصور النظر البشري؛ فالنفس تميل بطبعها إلى الربح السريع دون مشقة؛ فبين الله لهم أن لو نالوا العير لم يكن ليدخل التاريخ ذكرهم، ولظلت قريش متجبرة تعذب المسلمين بمكة وتتحكم في طرق التجارة؛ لكن حين واجهوا جيش قريش المسلح ونصرهم الله عليهم قُتل قادة الكفر (أبو جهل، عتبة، شيبة، أمية بن خلف) وانكسرت شوكة الشرك إلى الأبد وتأسست دولة الإسلام المهابة في كل الجزيرة؛ فكانت المشقة العارضة سبباً للسيادة الدائمة.
الكناية في {غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ}: كناية بديعة عن العير وقافلة التجارة؛ وعدم التصريح باسمها تحقيراً لأمرها مقارنة بالمقصد الأسمى وهو كسر شوكة الكفر وإحقاق الحق.
التعبير بـ {يَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ}: استعارة تمثيلية لاستئصال شأفة الأعداء واجتثاث شجرتهم الخبيثة من جذورها حتى لا يبقى لهم خلف يحيي باطلهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قاعدة "الخير فيما اختاره الله": أعظم ما يربي عليه القرآن نفوس الدعاة والمؤمنين هو الثقة المطلقة في أقدار الله وتدابيره؛ فكم من محنة في ظاهرها تنطوي على أعظم منحة وتمكين.
تضحيات تصنع التاريخ: الأمم لا تبنى بالأماني الرخيصة ولا بالبحث عن الغنائم السهلة، بل بالتضحية والصبر وملاقاة ذات الشوكة في ميادين البذل لإعلاء كلمة الحق.