تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 542)جامع البيانالطبري١٣/٥٤٢: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق والسدي في وصف جغرافية معركة بدر:
{بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا}: شفير الوادي القريب من المدينة المنورة (وهي الجهة الشمالية من وادي بدر).
{وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَىٰ}: شفير الوادي البعيد عن المدينة القريب من مكة (وهي الجهة الجنوبية).
{وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ}: يعني عير قريش وأموالها بقيادة أبي سفيان كانت في موضع أسفل منهم نحو ساحل البحر الأحمر على بعد أميال.
{وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ}: أي لو تراضيتم أنتم وقريش على وقت ومكان تلتقون فيه للقتال لما اتفقتم؛ لقلة عددكم وكثرة عددهم وفزعكم الطبيعي؛ {وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا}: جمعكم على غير ميعاد وبلا تدبير بشري، ليقضي أمره القدري بإعزاز دينه وقتل صناديد الكفر؛ {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}: أي ليموت ويكفر من كفر بعد قيام الحجة وظهور الآيات المعجزة فلا يبقى له عذر، ويحيا ويؤمن من آمن عن يقين وبرهان مشاهد.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 61)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٦١: يوضح ابن كثير دقة الوصف الطبوغرافي المعجز؛ فالجيش المسلم كان في العدوة الدنيا وأرضهم زلقة من الرمال، والعدو في العدوة القصوى، والعير في مأمن على الساحل؛ فاجتمعت كل الظروف المادية التي تجعل اللقاء في الحسابات العسكرية مستحيلاً أو كارثياً على المسلمين؛ ولكن القدر الرباني هو الذي نسج خيوط المعركة وحسم اللقاء ليميز الله الخبيث من الطيب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الْعُدْوَةِ}: شاطئ الوادي وحافته وجانبه؛ والعدوة الدنيا القريبة (مؤنث الأدنى)، والقصوى البعيدة (مؤنث الأقصى).
{وَالرَّكْبُ}: اسم جمع لراكبي الإبل في السفر خاصة (عشرة فما فوق)، والمراد قافلة أبي سفيان.
{أَسْفَلَ}: ظرف مكان يفيد الانخفاض والميل نحو جهة الساحل.
{بَيِّنَةٍ}: الحجة الواضحة والبرهان القاطع الذي لا يدع مجالاً للشك.
{الدُّنْيَا}: نعت لـ (العدوة) مجرور بكسرة مقدرة للتعذر.
{وَهُم}: الواو عاطفة، هم مبتدأ.
{بِالْعُدْوَةِ}: متعلقان بالخبر المحذوف.
{الْقُصْوَىٰ}: نعت مجرور بكسرة مقدرة.
{وَالرَّكْبُ}: الواو حالية أو عاطفة، الركب مبتدأ.
{أَسْفَلَ}: ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف خبر المبتدأ.
{مِنكُمْ}: متعلقان بـ (أسفل)، والجملة في محل نصب حال.
{وَلَوْ}: الواو استئنافية، لو شرطية غير جازمة.
{تَوَاعَدتُّمْ}: فعل ماض والتاء فاعل والميم علامة الجمع.
{لَاخْتَلَفْتُمْ}: اللام واقعة في جواب لو، اختلفتم فعل ماض وفاعله، والجملة جواب لو لا محل لها.
{فِي الْمِيعَادِ}: متعلقان بـ (اختلفتم).
{وَلَٰكِن}: الواو عاطفة، لكن حرف استدراك وتوكيد.
{لِّيَقْضِيَ}: اللام لام التعليل، يقضي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل والفاعل لفظ الجلالة، والمصدر المؤول متعلق بفعل محذوف تقديره: ولكن جمعكم بلا ميعاد ليقضي الله.
{أَمْرًا}: مفعول به منصوب.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص واسمه مستتر تقديره هو.
{مَفْعُولًا}: خبر كان منصوب، وجملة كان نعت لـ (أمراً).
{لِّيَهْلِكَ}: بدل من (ليقضي) أو تعليل ثانٍ منصوب بأن مضمرة.
{مَنْ}: اسم موصول فاعل.
{هَلَكَ}: صلة الموصول.
{عَن بَيِّنَةٍ}: متعلقان بـ (هلك)، و(عن) بمعنى بعد أو للملابسة.
{وَيَحْيَىٰ}: معطوف منصوب بفتحة مقدرة.
{مَنْ}: فاعل.
{حَيَّ}: صلة الموصول.
{عَن بَيِّنَةٍ}: متعلقان بـ (حي).
{وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ}: إن واسمها وخبرها واللام المزحلقة.
القراءات المتواترة:
قرأ ابن كثير وأبو عمرو ويعقوب: {بِالْعِدْوَةِ} بكسر العين في الموضعين (الدنيا والقصوى).
وقرأ الباقون: {بِالْعُدْوَةِ} بضم العين فيهما، وهما لغتان فصيحتان في جانب الوادي وحافته.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وعاصم وأبو جعفر: {حَيِيَ} بياءين مظهرتين على الأصل ثلاثياً.
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التصوير السينمائي الرباني الفائق لميدان بدر:
رسم دقيق للمواقع الجغرافية لثلاث فئات متفرقة: المسلمون في العدوة الدنيا، جيش قريش في العدوة القصوى، وقافلة التجارة في الساحل الأسفل.
إبراز المفارقة القدرية: يستحيل عقلياً في الحسابات العسكرية أن تلتقي هذه الفئات على هذا النسق لو كان الأمر موكولاً للميعاد والاتفاق البشري.
ثم كشف اليد الإلهية المحركة للأحداث من وراء حجب الأسباب: {وَلَٰكِن لِّيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
معنى الهلاك والحياة في {لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ}:
هل المراد الموت والقتل الحسي، أم الكفر والإيمان القلبي؟
الدفع والمحاكمة الجمعية الرصينة:
يشمل المعنيين جميعاً في قمة الإعجاز القرآني:
المعنى المادي الحسي: من هلك وقُتل من الكفار في بدر هلك بعد قيام الحجة ومعاينة الآيات، ومن عاش وسلم من المؤمنين عاش بعد نصر معجز وبينة يقينية.
المعنى المعنوي العقدي (وهو الأعم والأبلغ عند المحققين): ليهلك من كفر عن حجة واضحة قامت عليه فلا يبقى له عذر أمام الله، وليحيا من آمن عن بصيرة ويقين راسخ عاين فيه آيات ربه؛ فصار الدين حجة قائمة لا غبش فيها.
الطباق المزدوج البديع: بين {الدُّنْيَا} و{الْقُصْوَىٰ}، وبين {لِّيَهْلِكَ} و{يَحْيَىٰ}.
التوكيد بـ {كَانَ مَفْعُولًا}: لبيان أن هذا القضاء كُتب في اللوح المحفوظ وأبرمه الله في علمه الأزلي؛ فلا يمكن لقوى الأرض أن تغير مجراه أو تؤخر ميعاده.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التدبير الإلهي فوق تدابير البشر: ما يدبره الله للأمة ولأوليائه أعظم وأحكم من كل ما تخطه العقول البشرية؛ فالمؤمن يسعى ويأخذ بالأسباب، ولكنه يسلم زمام أمره لمجري السحاب ومدبر الأسباب.
وضوح الحجة واستقامة اليقين: دين الإسلام دين البينات؛ لا يدخله من يدخله بالعمى، ولا يتركه من يتركه إلا عن جحود وبينة كاشفة؛ فالإيمان نور وبرهان.