تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 552)جامع البيانالطبري١٣/٥٥٢: يروي الطبري بإسناده عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: «لقد قُلِّلوا في أعيننا يوم بدر حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة! حتى أخذنا رجلاً منهم فسألناه: كم كنتم؟ قال: كنا ألفاً!»؛ وروى عن عكرمة ومجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق: أن هذا كان إعجازاً بصرياً خارقاً للعادة في ساحة المعركة؛ أرى الله المسلمين المشركين قليلين ليشجعهم ويجرئهم على الإقدام، وأرى المشركين المسلمين قليلين جداً حتى قال أبو جهل: إنما هم أكلة جزور، خذوهم بالأيدي ولا تقتلوهم لتأسروهم! فقصر المشركون عن الاستعداد التام والاحتراز لفرط استحقارهم للمسلمين، حتى التحم الجيشان ففوجئ المشركون بالبأس الحقيقي وضرب الملائكة وهلكوا.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 63)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٦٣: يوضح ابن كثير أن هذا التقليل المتبادل في عيون الفريقين كان لغرض قدري حاسم: وهو إتمام المعركة ومنع أي من الفريقين من الانسحاب؛ فلو رأى المسلمون كثرة الكفار لترددوا، ولو رأى الكفار قوة المسلمين لطلبوا المفاوضة أو احترزوا وتراجعوا؛ فقلل كل فئة في عين الأخرى حتى تلاحما وقضى الله أمره المفعول بنصر دينه وإبادة صناديد الشرك.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يُرِيكُمُوهُمْ}: الإراءة البصرية بالعين في اليقظة في أرض المعركة؛ بخلاف الرؤيا المنامية في الآية السابقة.
{وَيُقَلِّلُكُمْ}: التقليل تصيير الشيء قليلاً في الرؤية والإدراك البصري.
الإعراب والتركيب:
{وَإِذْ}: الواو عاطفة، إذ ظرف مفعول به لـ (اذكروا).
{يُرِيكُمُوهُمْ}: يري فعل مضارع والكاف مفعول أول والواو لإشباع حركة الميم، والهاء مفعول ثانٍ والميم علامة الجمع.
{إِذِ}: ظرف زمان مبني على السكون وحرك بالكسر للساكنين متعلق بـ (يريكموهم).
{الْتَقَيْتُمْ}: فعل ماض والتاء فاعل والجملة في محل جر بالإضافة لـ (إذ).
{فِي أَعْيُنِكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال أو بـ (قليلاً).
{قَلِيلًا}: مفعول به ثالث لـ (يريكموهم) أو حال منصوبة.
{وَيُقَلِّلُكُمْ}: الواو عاطفة، يقلل فعل مضارع والفاعل مستتر تقديره هو، والكاف مفعول به والميم علامة الجمع.
{فِي أَعْيُنِهِمْ}: متعلقان بـ (يقللكم).
{لِيَقْضِيَ}: اللام لام التعليل، يقضي فعل مضارع منصوب بأن مضمرة والفاعل لفظ الجلالة.
{أَمْرًا}: مفعول به.
{كَانَ}: ماض ناقص واسمه مستتر.
{مَفْعُولًا}: خبر كان، وجملة كان نعت لـ (أمراً).
{وَإِلَى اللَّهِ}: الواو استئنافية، إلى الله جار ومجرور متعلقان بـ (ترجع) قُدما للحصر.
{تُرْجَعُ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بالضمة.
{الْأُمُورُ}: نائب فاعل مرفوع بالضمة.
القراءات المتواترة:
قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي ويعقوب وخلف العاشر: {تَرْجِعُ الْأُمُورُ} بفتح التاء وكسر الجيم ثلاثياً لازماً.
وقرأ الباقون: {تُرْجَعُ الْأُمُورُ} بضم التاء وفتح الجيم مبنياً للمفعول؛ وكلتا القراءتين حق في مصير الخلائق وأمور الكون إلى الله تعالى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التدرج الإعجازي من عالم الرؤى إلى عالم المعاينة:
في الآية (43) كان التقليل في "المنام" للنبي صلى الله عليه وسلم وحده: {إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا}.
وفي الآية (44) صار التقليل في "اليقظة" لجميع الجيشين عياناً بالأبصار: {وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ}.
ثم الجمع بين البداية والختام: تقليل الأسباب الأرضية لإمضاء القضاء العلوي؛ ثم رد كل الأمور إلى الله: {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التوفيق بين هذه الآية وآية آل عمران: {يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ}:
كيف يقول هنا: {وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ} ويقول في آل عمران (13): {يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ}؟
الدفع والمحاكمة الجمعية الرصينة عند أئمة التفسير:
لا تناقض البتة؛ لأن المشهدين وقعا في مرحلتين متعاقبتين من معركة بدر:
المرحلة الأولى (قبل التحام القتال): قلل الله المسلمين في عيون الكفار ليغرهم ويجرئهم على خوض المعركة ويسلبهم الحذر، وقلل الكفار في عيون المسلمين ليثبتهم ويزيل الخوف من قلوبهم.
المرحلة الثانية (بعد التحام القتال ونزول الملائكة): كثّر الله المسلمين في عيون المشركين فرأوهم مثليهم رأي العين ليوقع الرعب والهلع في قلوبهم فيهزموا ويفروا؛ فكان التبدل البصري في الحالتين معجزة إلهية تصرف أبصارهم بحسب مصلحة النصر في كل مرحلة.
المقابلة البصرية المزدوجة: {فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا} و{وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ}؛ تلاعب بقدرات الإدراك البشري للجيشين معاً في لحظة واحدة؛ لتدرك العقول أن الأبصار خاضعة لإرادة خالقها يريها ما يشاء كيف يشاء.
تكرار {لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا}: تأكيد قطعي على أن المعركة كانت قدراً حتمياً مقضياً لا مرد له.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قوة الإرادة تغلب الأرقام المادية: ليس المهم حجم العدو الحسي، بل المهم كيف يراه قلبك وعينك؛ فالمؤمن الموصول بالله يرى قوى الباطل قزمة ضئيلة أمام عظمة الله، فيقدم بشجاعة ويقين.
تفويض الأمور لله {وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ}: عاقبة الصراع بين الحق والباطل محسومة عند الله؛ والواجب على المؤمن الثبات وبذل الجهد ثم ترك النتائج لمدبر الكون.