تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 582)جامع البيانالطبري١٣/٥٨٢: يروي الطبري عن مجاهد وقتادة والسدي: أن هذا يقال للكفار عند احتضارهم وضرب وجوههم وأدبارهم ومصارعهم في بدر ويوم القيامة؛ أي ذلك العذاب والنكال الواقع بكم ليس ظلماً من الله، بل هو جزاء وفاق بما كسبت أيديكم وقدمتموه من الكفر والتكذيب والمحاربة؛ وأن الله منزه تنزيهاً مطلقاً عن الظلم؛ فلا يعاقب أحداً بغير ذنب، ولا ينقص محسناً من ثواب عمله شيئاً.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 74)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٧٤: يوضح ابن كثير الحديث القدسي الجليل في صحيح مسلم عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا... يا عبادي إنما هي أعمالكم أحصيها لكم ثم أوفيكم إياها، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه».
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ}: التقديم في الأعمال هو ارتكابها واكتسابها؛ ونُسب التقديم للأيدي لأن غالب الأعمال المباشرة والمكاسب تقع باليدين؛ وهي كناية عن كسب الإنسان كله بقلبه وجوارحه.
{بِظَلَّامٍ}: صيغة مبالغة أو للنسب؛ ومعناها: ليس بذي ظلم قليل ولا كثير؛ فنفي المبالغة هنا لنفي أصل الظلم قطعا.
الإعراب والتركيب:
{ذَٰلِكَ}: اسم إشارة مبتدأ، والخبر محذوف (أي: ذلك العذاب كائن بسبب...).
{بِمَا}: الباء سببية، (ما) اسم موصول أو مصدرية في محل جر بالباء متعلق بالخبر المحذوف.
{قَدَّمَتْ}: فعل ماض مبني على الفتح والتاء للتأنيث.
{أَيْدِيكُمْ}: فاعل مرفوع بضمة مقدرة والكاف مضاف إليه والميم علامة الجمع، وجملة قدمت أيديكم صلة الموصول.
{وَأَنَّ}: الواو عاطفة، أنّ حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة اسم أنّ منصوب بالفتحة.
{لَيْسَ}: فعل ماض ناقص جامد، واسمه مستتر تقديره هو يعود على الله.
{لِّلْعَبِيدِ}: اللام حرف جر، العبيد مجرور متعلق بـ (ظلام)؛ والمصدر المؤول (وأن الله ليس بظلام) معطوف على (بما قدمت).
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تقرير العدل الإلهي المطلق بعد مشاهد العقاب: لما فصّل في الآية السابقة مشهد ضرب الملائكة لوجوههم وأدبارهم وتذويقهم عذاب الحريق، بيّن في هذه الآية أن هذا ليس تشفياً ولا ظلماً، بل هو مقتضى العدل الإلهي الصارم والجزاء الحتمي لأعمالهم وكفرهم؛ لتقطع كل ذريعة للتظلم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة ورود صيغة المبالغة "ظلام" ونفيها:
قد يظن جاهل أن نفي "الظلام" ينفي كثرة الظلم ولا ينفي أصل الظلم القليل!
الدفع والمحاكمة اللغوية والعقدية الصارمة عند أئمة السنة:
صيغة "ظلام" هنا جاءت على وزن فعّال، ولها وجهان في لغة العرب:
أنها للنسب؛ أي ليس بذي ظلم أصلاً، كقولهم: "لبّان" لبائع اللبن، و"تمّار" لبائع التمر.
أنها صيغة مبالغة روعي فيها كثرة العبيد واتساع ملك الله؛ فلو ظلم الله عبداً واحداً مع كثرة العبيد المليارات لكان "ظلاماً"؛ فنفي المبالغة في حق المجموع ينفي وقوع أدنى ذرة ظلم على أي فرد منهم؛ كقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النساء: 40]، وقوله: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ} [فصلت: 46].
الباء الزائدة في خبر ليس {بِظَلَّامٍ}: لتأكيد الاستغراق التام ونفي جنس الظلم عن ساحة الربوبية نفيًا قاطعاً.
التعبير بـ {الْعَبِيدِ} بصيغة الجمع الكسير: للإشعار بأنهم جميعاً عبيد مقهورون تحت ملكه وقدرته، ومع كمال قدرته وغناه عنهم لا يظلم أحداً منهم قيد أنملة؛ فما أعظم عدله!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
تحمل الإنسان لمسؤولية أفعاله: كل مصيبة أو نكال ينزل بالإنسان هو بما كسبت يداه؛ والواجب عند نزول البلاء محاسبة النفس والتوبة والاستغفار بدلاً من لوم القدر.
تنزيه الله عن الظلم: من أصول الإيمان الراسخة أن الله عدل حكيم، لا يعذب أحداً بغير ذنب، ولا يضيع عنده مثقال ذرة من خير.