أسباب النزول ومرويات الباب: نزلت الآية الكريمة لتحديد المعسكر المقابل وتوضيح مفاصلة الولاء والبراء. روى الإمام الترمذي (رقم: 1084)مصدر غير محددحديث رقم ١٠٨٤ وابن ماجه (رقم: 1967)مصدر غير محددحديث رقم ١٩٦٧ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا خَطَبَ إِلَيْكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ، إِلَّا تَفْعَلُوا تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ، وَفَسَادٌ عَرِيضٌ». وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}: أي في النصرة والمعونة والميراث، فلا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 98)جامع البيانالطبري١٤/٩٨: بين الله أن أهل الكفر على اختلاف مللهم ونحلهم يوالي بعضهم بعضاً على أهل الإيمان، وأن رابطتهم هي الكفر والعداوة للمسلمين، ثم قال {إِلَّا تَفْعَلُوهُ}: أي إلا توالوا المؤمنين وتعادوا الكافرين وتناصروا في الدين وتفاضلوا بالمؤاخاة الشرعية، تقع الفتنة في الأرض بارتفاع شوكة الشرك وذلة المسلمين وفساد الدين والدنيا.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 99)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٩٩: المعنى: إن لم تجانبوا المشركين وتوالوا المؤمنين وقعت الفتنة في الناس، وهو التباس الأمر واختلاط المؤمن بالكافر، فيقع بين الناس فساد عريض طويل ممتد.
ذكر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 60)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٦٠: قطعت هذه الآية التوارث بين المسلم والكافر، وأكدت وجوب تميز معسكر الإيمان عن معسكر الكفر؛ فإذا تهاون المسلمون في نصرة بعضهم ووالوا أعداءهم استقوى الكفر وفتن المستضعفون عن دينهم.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 327)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٢٧: لما عقد تعالى الولاية بين المؤمنين، أخبر أن الكفار كذلك يوالي بعضهم بعضاً، وحذر المؤمنين من ترك ولاية إخوانهم وموالاة أعدائهم؛ لأن ذلك يثمر تسلط الأعداء وزوال بيضة الإسلام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
فِتْنَةٌ: الفتنة أصلها وضع الذهب في النار لتمييز خبيثه من طيبه، وتطلق على الشرك، والابتلاء الشديد، والاضطراب الاجتماعي والعقدي، وفتنة المسلمين في دينهم بصدهم عنه وقهرهم.
فَسَادٌ كَبِيرٌ: الفساد نقيض الصلاح، وهو خروج الشيء عن حد الاعتدال والنظام، ووصفه بـ كبير للدلالة على عظم خطره وتدميره للمجتمعات والأديان والأعراض.
الإعراب التفصيلي:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا: الواو استئنافية أو عاطفة للمقابلة، الذين مبتدأ، وجملة كفروا صلة الموصول.
بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ: بعض مبتدأ ثانٍ، وأولياء خبره، وبعض مضاف إليه، والجملة الاسمية خبر المبتدأ (الذين كفروا).
إِلَّا تَفْعَلُوهُ: إن شرطية، لا نافية، تفعلوا مضارع مجزوم بحذف النون فعل الشرط، والواو فاعل، والهاء ضمير متصل مفعول به يعود على ما أمر الله به من موالاة المؤمنين ومناصرتهم ومباينة الكفار.
تَكُن: مضارع مجزوم بالسكون جواب الشرط، وهو تام هنا بمعنى يقع ويحدث، أو ناقص واسمه ضمير مستتر.
فِتْنَةٌ: فاعل لتكن التامة مرفوع بالضمة الظاهرة (أو اسمها إن كانت ناقصة).
فِي الْأَرْضِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ فتنة، أو متعلق بالفعل تكن.
وَفَسَادٌ كَبِيرٌ: معطوف على فتنة مرفوع، وكبير نعت له.
توجيه القراءات:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة، وقرأ الجمهور {وَفَسَادٌ كَبِيرٌ} بالباء الموحدة والياء والراء، وروي في الشواذ عن ابن محيصن {عَرِيضٌ} موافقة للحديث النبوي، ولكن المتواتر المجمع عليه هو {كَبِيرٌ}.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقابلة التناظرية الإعجازية: بعد أن قرر في الآية السابقة: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا... أُولَٰئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}، قابلها في هذه الآية مباشرة بتقرير المعسكر الآخر: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ}؛ ليكتمل التقسيم الثنائي الحاسم للولاء في العالم، فلا يبقى للمسلم أدنى تردد في تحديد صفه وانتمائه.
التحذير من الفراغ التشريعي والأمني: قوله {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ} معادلة سببية حتمية؛ فالكفر كتلة واحدة في مواجهة الإسلام، فإن لم يتكتل المسلمون تكتلاً مكافئاً في النصرة والمعونة تداعت عليهم الأمم وسقط التوازن وساد الاضطراب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نشر الكراهية والعداء للبشرية:
يدعي بعض الحداثيين أن مفاصلة الولاء والبراء المذكورة في الآية تقطع الروابط الإنسانية وتزرع الكراهية والعدوان في العالم.
الرد والمحاكمة العقلية المحكمة:
الآية تتحدث عن "الولاية السياسية والعسكرية والنصرة في الدين والتوارث"، ولا تمنع البر والإقساط وحسن المعاملة الدنيوية لغير المحاربين؛ كما نص القرآن صراحة في سورة الممتحنة: {لَّا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ}.
أي تجمع بشري أو دولة ذات سيادة تمنع مواطنيها من موالاة المعسكر المعادي استخباراتياً وعسكرياً؛ فالإسلام يضع أمن الأمة العقدي والسياسي فوق أي علاقة قد تؤدي إلى تفتيت المجتمع وتسلل العدو إليه.
التاريخ يثبت صحة الإعجاز القرآني: فمتى ما تخلى المسلمون عن نصرة بعضهم ووالوا أعداءهم وقعت فتن عظيمة واستبيحت بلادهم وهدمت حضارتهم.
الجملة الشرطية التهديدية الصارمة: {إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌ}، حذف التفاصيل في فعل الشرط للدلالة على العموم، أي إن لم تفعلوا كل ما أمرتم به من إخلاص الولاء والتناصر ورد المظالم وحفظ العهود.
التنكير والوصف في {فَسَادٌ كَبِيرٌ}: تنكير فساد ليدل على فظاعته، ووصفه بـ كبير للدلالة على استغراقه للأبعاد السياسية والاجتماعية والأخلاقية كافة، فلا يستقر معه أمن ولا ينضبط معه نظام.
تقديم الفتنة على الفساد: لأن الفتنة في الدين واضطراب العقائد هي السبب الجذري والمنشأ الأول للفساد العملي والدنيوي الكبير في الأرض.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وجوب وحدة الصف الإسلامي: لا بقاء لأمة ممزقة يتولى أفرادها أعداءها، وإنما القوة والمنعة في تماسك المسلمين واعتصامهم بحبل الله كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً.
التوازن بين المبدئية والواقعية: المؤمن يتعامل مع الواقع بوعي سياسي نافذ؛ فيعلم أن معسكر الكفر مهما اختلفت فصائله يجتمع على حرب الإسلام، فيقابله بحسم عقدي وتلاحم أخوي لا يخترق.