تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 574)جامع البيانالطبري١٣/٥٧٤: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي وابن إسحاق في سبب نزول الآية: «أن قوماً من أهل مكة كانوا قد أسلموا وخرجوا مع قريش كارهين أو مفتونين لصلة أرحامهم أو لضعف إيمانهم؛ منهم قيس بن الوليد بن المغيرة، وأبو قيس بن الفاكه بن المغيرة، وعلي بن أمية بن خلف، والحارث بن زمعة بن الأسود، والعاص بن منبه بن الحجاج؛ فلما رأوا قلة عدد المسلمين وكثرة قريش وقوتها ارتابوا وشكوا وقالوا: غرّ هؤلاء المسلمين دينهم حتى خرجوا يقاتلون هذه الجحافل بغير عدة ولا سلاح! فقُتل هؤلاء الشاكون جميعاً ببدر كفاراً؛ فنزل فيهم قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ غَرَّ هَٰؤُلَاءِ دِينُهُمْ}، فرد الله عليهم مقالتهم وأثبت فضل التوكل: {وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 72)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٧٢: يوضح ابن كثير أن المنافقين وضعفاء الإيمان يقيسون الأمور بالمقاييس المادية الأرضية الظاهرة فقط؛ فلما نظروا إلى قلة عدد الصحابة وفقر عتادهم في بدر ظنوا أنهم مجانين مغرورون بدينهم يلقون بأنفسهم إلى التهلكة، ولم يدركوا قوة التوكل على الله ومعية العلي العظيم؛ فخابت ظنون المنافقين ونصر الله أولياءه المتوكلين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{غَرَّ}: الغرور هو الخداع وإطماع الإنسان في الباطل؛ غرّه يغره غروراً إذا خدعه وأطمعه بما لا حقيقة له.
{مَّرَضٌ}: المرض هنا مرض الشك والريبة والنفاق وضعف اليقين.
{يَتَوَكَّلْ}: صدق تفويض الأمر إلى الله والاعتماد عليه بعد بذل الوسع.
الإعراب والتركيب:
{إِذْ}: ظرف لما مضى متعلق بـ (اذكر) أو بالاستئناف.
{يَقُولُ}: فعل مضارع مرفوع بالضمة واستعمل المضارع لاستحضار القول الشنيع.
{الْمُنَافِقُونَ}: فاعل مرفوع بالواو لأنه جمع مذكر سالم.
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة، الذين اسم موصول معطوف على المنافقين في محل رفع.
{هَٰؤُلَاءِ}: الهاء للتنبيه، (أولاء) اسم إشارة مبني في محل نصب مفعول به مقدم لـ (غر).
{دِينُهُمْ}: فاعل مؤخر مرفوع بالضمة والهاء مضاف إليه، وجملة غر هؤلاء دينهم مقول القول في محل نصب.
{وَمَن}: الواو استئنافية، (مَن) اسم شرط جازم مبني في محل رفع مبتدأ.
{يَتَوَكَّلْ}: فعل مضارع مجزوم فعل الشرط وعلامة جزمه السكون والفاعل مستتر تقديره هو.
{عَلَى اللَّهِ}: متعلقان بـ (يتوكل).
{فَإِنَّ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، إن حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: اسم إن منصوب.
{عَزِيزٌ}: خبر أول لـ إن.
{حَكِيمٌ}: خبر ثانٍ مرفوع، وجملة (إن الله عزيز حكيم) في محل جزم جواب الشرط، وفعل الشرط وجوابه خبر المبتدأ (مَن).
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
كشف الجبهة الطابورية الداخلية والخارجية:
استعرض القرآن دور المشركين الصريح، ثم دور الشيطان المحرض الخفي، ثم ينتقل هنا لكشف الطابور الخامس: وهم المنافقون ومرضى القلوب الذين يثبطون العزائم ويبثون السموم النفسية في صفوف الأمة.
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التفرقة بين "المنافقين" و"الذين في قلوبهم مرض":
هل هما صنفان مختلفان أم وصفان لعين واحدة؟
الدفع والتحرير التفسيري عند أئمة التحقيق:
الوجه الأول: عطف صفة على صفة لموصوف واحد للتأكيد والبيان؛ فالمنافق مريض القلب قطعا.
الوجه الثاني (وهو الأظهر في سياق بدر): هما صنفان متمايزان:
المنافقون: هم أصحاب النفاق الاعتقادي الخالص الذين يبطنون الكفر بالمدينة.
الذين في قلوبهم مرض: هم ضعفاء الإيمان ومضطربو اليقين من قريش أو البادية الذين دخلوا في الإسلام بغير رسوخ فإذا جاءت الشدائد تزلزلت قلوبهم؛ والجمع بينهما يفيد شمول التحذير من كل نفاق وشك.
الإشارة بـ {هَٰؤُلَاءِ} للتحقير والاستغراب: استعملوا اسم الإشارة للقريب تعجباً واستخفافاً بالصحابة الكرام؛ كأنهم يقولون: انظروا إلى هؤلاء الدراويش القلة كيف يلقون بأنفسهم في الموت ظناً أن دينهم سينصرهم!
الرد باسمي الله {عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: رد في منتهى البلاغة؛ "العزيز" الذي لا يُذل من توكل عليه ولا يغلبه غالب، و"الحكيم" الذي يضع النصر في أوانه ومستحقه؛ فليس توكلهم غروراً بل ثقة بعزيز لا يخذل أولياءه.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
ثبات المتوكلين أمام استهزاء الماديين: في كل عصر يصف العلمانيون والماديون والمنافقون أهل التضحية والجهاد في سبيل الله بأنهم "مغفلون" و"غرهم دينهم" لأنهم لا يقيمون وزناً إلا للأرقام والحسابات المادية؛ والمؤمن يثبت مستعيناً بربه موقناً أن التوكل على الله هو أقوى قوة في الوجود.
التوكل حقيقة لا ادعاء: من توكل على ربه بصدق كفاه الله شر كل متآمر وثبته في مواجهة أعظم التحديات.