تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 429)جامع البيانالطبري١٣/٤٢٩: يروي الطبري عن قتادة والسدي في قوله: {ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ}: هذا الخطاب للمشركين المشاقين على وجه التوبيخ والتقريع والإهانة؛ أي ذوقوا هذا العذاب العاجل في الدنيا من القتل والأسر والرعب والهزيمة الماحقة وضرب الهامات؛ ثم أخبرهم بما ينتظرهم في الآخرة من العذاب الأكبر: {وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ}؛ فجمع الله لهم بين خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 24)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٢٤: يوضح ابن كثير أن هذا التبشير بالخزي في الدارين هو مصير كل كافر معاند؛ فما ذاقوه ببدر من السيف والموت والرمي في قليب بدر لم يكن إلا مقدمة عاجلة، وأما مستقرهم الأبدي فهو نار جهنم وبئس الورد المورود.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{فَذُوقُوهُ}: الذوق في الأصل إدراك طعوم الأشياء بحاسة اللسان في الفم؛ واستعير هنا لإدراك ألم العذاب والقتل الحسي والنفسي، للإشارة إلى شدة ملابسته للبدن وإحساسه بالألم كما يحس الذائق طعم المرارة.
{عَذَابَ النَّارِ}: العذاب هو كل ألم شاق ومستمر ينال الإنسان؛ والنار هي جهنم أعاذنا الله منها.
الإعراب والتركيب:
{ذَٰلِكُمْ}: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ، وخبره محذوف تقديره: ذلكم العذاب واقع بكم، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: الأمر ذلكم.
{فَذُوقُوهُ}: الفاء فصيحة، ذوقوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل، والهاء ضمير متصل مبني في محل نصب مفعول به، والجملة في محل جزم جواب شرط مقدر.
{وَأَنَّ}: الواو عاطفة، أنّ حرف توكيد ونصب.
{لِلْكَافِرِينَ}: اللام حرف جر، الكافرين اسم مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر أنّ مقدم.
{عَذَابَ}: اسم أنّ مؤخر منصوب وعلامة نصبه الفتحة وهو مضاف.
{النَّارِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة؛ والمصدر المؤول (وأن للكافرين عذاب النار) في محل رفع معطوف على (ذلكم) أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره: واعلموا أن للكافرين عذاب النار.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
الالتفات البلاغي الصاعق: تحول السياق من الغيبة إلى الخطاب المباشر للعدو؛ فبعد أن قال في الآية السابقة: {ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ}، التفت إليهم مواجهاً مقريعاً: {ذَٰلِكُمْ فَذُوقُوهُ}؛ وهذا الالتفات من أساليب التهكم والتوبيخ والتحقير في لغة العرب، لإسقاط كبريائهم.
الجمع بين عقابي الدارين: عذاب الدنيا الحاضر المعاين (السيف والأسر)، وعذاب الآخرة المحتوم (النار).
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة معنى الأمر في {فَذُوقُوهُ}:
كيف يؤمرون بالذوق والأمر طلب فعل وهم في حال وقوع العذاب عليهم بالفعل؟
الدفع والتحرير البلاغي عند أئمة التفسير:
صيغة الأمر هنا ليست للأمر التكليفي أو التخييري، وإنما هي صيغة "إهانة وتقريع وتهكم وتثبيت للعقوبة"؛ كقوله تعالى لأبي جهل يوم القيامة: {ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ} [الدخان: 49]؛ أي تجرعوا مرارة كفركم وعنادكم ولا مفر لكم من ذلك.
استعارة الذوق للعذاب: استعارة تصريحية مكنية تجسد الألم؛ لأن الذوق أشد الحواس إدراكاً لطبيعة الشيء وملامسته للداخل؛ فكأن العذاب تغلغل في حواسهم حتى صاروا يذوقون مرارته ذوقاً حسياً.
التعميم بلفظ {لِلْكَافِرِينَ}: لم يقل: "وأن لكم"، بل أظهر صفة الكفر {وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ} لبيان العلة الموجبة لعذاب النار؛ وهي الكفر بالله وجحود آياته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
خسران أهل الباطل في الدارين: ما يغتر به الكفار والمجرمون من قوة مؤقتة ونعيم زائل ما هو إلا استدراج؛ وعاقبتهم الحتمية هي الذوق الأليم في الدنيا، والنار في الآخرة.
الاعتبار بمصارع الطغاة: الوقوف على مصارع قريش في بدر والتدبر في نهايتهم البائسة يملأ قلب المؤمن يقيناً بثبات سنن الله ونصرة أوليائه وهوان الباطل على الله.