تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 592)جامع البيانالطبري١٣/٥٩٢: يروي الطبري عن مجاهد وقتادة والسدي وابن إسحاق في سبب نزول الآية: «أنهم يهود يثرب، وخاصة بني قريظة وزعيمهم كعب بن الأشرف وبني قينقاع؛ وادعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعاهدهم وكتب بينه وبينهم ميثاقاً مؤكداً ألا يحاربوه ولا يظاهروا عليه عدواً، فنقضوا عهدهم في بدر وأعانوا مشركي قريش بالسلاح، ثم اعتذروا وقالوا: نسينا وأخطأنا! فعاهدهم مرة ثانية، فنقضوا عهدهم يوم الخندق وظاهروا قريشاً وغطفان على استئصال المسلمين؛ فكان شأنهم الغدر ونقض العهد في كل مرة دون وازع من خلق أو تقوى».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 78)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٧٨: يوضح ابن كثير أن هؤلاء هم شرار الخلق؛ عاهدوا النبي صلى الله عليه وسلم مرة بعد مرة، فكلما أبرم معهم عهداً نقضوه وأعانوا الأعداء، لا يخافون الله ولا يتقون عاقبة الغدر والخيانة؛ فاستحقوا العقاب الصارم والنكال الرادع.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{عَاهَدتَّ}: المعاهدة هي إعطاء العهد والميثاق والأمان المتبادل بين طرفين؛ عاهده إذا واثقه.
{يَنقُضُونَ}: النقض في الأصل حل طاقات الحبل المبروم بعد فتله وإفساد بنائه؛ ونقض العهد نكثه وإبطال مقتضاه بالخيانة والغدر.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب بدل من (الذين كفروا) في الآية السابقة، أو في محل رفع نعت أو خبر لمبتدأ محذوف.
{عَاهَدتَّ}: فعل ماض والتاء فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{مِنْهُمْ}: متعلقان بـ (عاهدت) و(من) لابتداء الغاية أو للتبعيض.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي واستبعاد واستقباح فعلهم.
{يَنقُضُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{عَهْدَهُمْ}: مفعول به منصوب والهاء مضاف إليه.
{فِي كُلِّ}: متعلقان بـ (ينقضون) وهو مضاف.
{مَرَّةٍ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَهُمْ}: الواو واو الحال، هم ضمير منفصل مبتدأ.
{لَا}: نافية.
{يَتَّقُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر هم، والجملة الاسمية في محل نصب حال مؤكدة لقبح مسلكهم.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان علة وصفهم بـ "شر الدواب":
لما وصفهم في الآية السابقة بأنهم شر الدواب، بيّن هنا السلوك الجنائي العملي الذي أنزلهم إلى هذا الدرك الأسفل: وهو الإصرار على نقض العهود والمواثيق في كل مرة.
ثم رتب على هذا الجرم الحكم العسكري الصارم في الآية اللاحقة: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التعاطف مع بني قريظة وبني قينقاع في مصيرهم:
يثير بعض المغرضين شبهات حول صرامة النبي صلى الله عليه وسلم في معاقبة بني قريظة بالقتل والمقاتلة وبني النضير بالجلاء!
الدفع والمحاكمة القانونية والتاريخية الصارمة:
الآية الكريمة تسجل حقيقة تاريخية وقانونية قطعية: هؤلاء لم يعاقبوا على عقيدتهم اليهودية، بل عوقبوا على "الخيانة العظمى ونقض العهد المتكرر في أحلك ظروف الحرب"؛ فقد كتب معهم النبي صلى الله عليه وسلم "وثيقة المدينة" التي منحتهم كامل الحرية الدينية والمواطنة، فما رعوا العهد، بل تآمروا في بدر ونقضوا في أحد وخانوا يوم الخندق والمسلمون محاصرون تزيغ أبصارهم وتبلغ قلوبهم الحناجر؛ والقوانين العسكرية الدولية في كل زمان ومكان تعاقب الخيانة العظمى ونقض العهد في زمن الحرب بالإعدام واستئصال شوكة الخونة حماية للجبهة الداخلية؛ فكان موقف الشريعة هو قمة العدالة والردع الحاسم لحماية الأمة.
استعمال {ثُمَّ} في {ثُمَّ يَنقُضُونَ}: للتراخي الرتبي؛ لإظهار استبشاع واستبعاد صدور هذا النكث من عاقل عاهد وواثق، فإذا به ينقض ميثاقه بلا حياء.
التعبير بـ {فِي كُلِّ مَرَّةٍ}: دلالة على تجذر الغدر في جبلتهم حتى صار سجية مستمرة وعادة لا انفكاك لهم منها.
الجملة الحالية {وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ}: كشف لمنبع الخيانة؛ وهو انعدام التقوى وموت الضمير؛ فمن لم يخف الله نقض كل عهد وميثاق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
حرمة نقض العهود في الإسلام: الوفاء بالعهد فريضة إسلامية محكمة؛ والمؤمن يفي بعهده حتى مع الأعداء، والغدر من علامات النفاق وأخس خصال الدواب.
الحذر الأمني من المعتادين على الخيانة: من جُربت عليه الخيانة وتكرر منه نقض العهود لا يجوز الركون إليه أو ائتمانه على أسرار الأمة ومصالحها؛ فإن الخائن لا عهد له.