تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 590)جامع البيانالطبري١٣/٥٩٠: يروي الطبري عن مجاهد وقتادة وابن جريج: أن الله تعالى يعيد تقرير هذا الحكم الصارم للمرة الثانية في السورة لبيان صنف خاص من الكفار؛ وهم الذين ختم الله على قلوبهم وعلم أنهم لا يؤمنون أبداً، كيهود بني قريظة وبني قينقاع وعتات المشركين؛ فبين أن شر ما خلق الله على وجه الأرض من الكائنات التي تدب هم هؤلاء الذين رسخوا في الكفر واعتادوا الخيانة، بحيث انقطعت عنهم مادة الإيمان؛ فهم أحط وأضل من كل دابة وحيوان.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 78)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٧٨: يوضح ابن كثير أن الكافر المصر على كفره وخيانته هو أشر المخلوقات عند الله؛ لأن الحيوان البهيم يسعى لمصلحته بفطرته ولا يضر إلا لحاجة، أما الكافر المعاند فيعطل عقله وفطرته ويكرس حياته للصد عن الحق ونقض العهود والفساد في الأرض.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{شَرَّ الدَّوَابِّ}: أردأ وأخس وأقبح الكائنات التي تدب على الأرض عند الله تعالى.
{فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}: الفاء للترتيب والتعقيب والسببية؛ أي تفرع عن كفرهم وعنادهم المستحكم أنهم لا يرجى إيمانهم.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{شَرَّ}: اسم إن منصوب بالفتحة وهو مضاف.
{الدَّوَابِّ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{عِندَ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف حال من شر الدواب.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع خبر إن.
{كَفَرُوا}: فعل ماض والواو فاعل والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{فَهُمْ}: الفاء عاطفة سببية، هم ضمير منفصل مبتدأ.
{لَا}: حرف نفي.
{يُؤْمِنُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر هم، وجملة المبتدأ والخبر معطوفة على الصلة أو حالية.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المقارنة البلاغية بين موضعين في السورة:
في الآية (22) قال: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} في وصف المعرضين عن سماع القرآن ومواعظه.
وفي الآية (55) هنا قال: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} تمهيداً لوصف ناقضي العهود والخونة في الآيات اللاحقة {الَّذِينَ عَاهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ}؛ فكان هذا تدرجاً في التشخيص؛ فالصمم عن الحق يورث الكفر، والكفر يورث نقض العهود والخيانة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التكفير المعين لمن قال فيهم: {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}:
كيف يحكم عليهم بأنهم لا يؤمنون ونحن لا نعلم الغيب؟
الدفع والمحاكمة العقدية عند أهل السنة:
هذا حكم قرآني أزلي صادر من علام الغيوب سبحانه وتعالى في حق قوم معينين علم الله أنهم سيموتون على الكفر (كأبي جهل، وأبي لهب، وعتاة يهود قريظة الذين نقضوا العهد وقُتلوا عليه)؛ فإخبار الله عنهم قطعي مطابق للواقع؛ ولا يجوز لأحد بعد انقطاع الوحي أن يجزم لشخص حي معين بأنه لن يؤمن أبداً، بل يرجى له الهدى ما دام حياً.
الجملة الاسمية بعد الفاء {فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}: تفيد ثبوت واستقرار عدم الإيمان فيهم كصفة لازمة لا تنفك عن ذواتهم المطبوعة على الكفر.
تقييد الحكم بـ {عِندَ اللَّهِ}: تكرار هذا القيد لإسقاط الألقاب والمنازل السياسية التي قد يخلعها الناس على عتاة المجرمين؛ ففي ميزان الحقيقة الربانية هم أحط من حشرات الأرض وهوامها.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سقوط القيمة الإنسانية عند التجرد من الإيمان والأمانة: كرامة الإنسان ليست بالجسد والصورة بل بالروح والتقوى والوفاء؛ فإذا انسلخ من الإيمان والعهد تحول إلى كائن ضار شرير أحط من الحيوان.
الحزم مع المصرين على الإفساد: من بلغ هذه الدرجة من الشر والفساد المطبق وجب التعامل معه بأقصى درجات الحذر واليقظة لحماية المجتمع من سمومه.