تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 521)جامع البيانالطبري١٣/٥٢١: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أن اللام في {لِيَمِيزَ} لام التعليل؛ أي فعل الله ذلك بالهزيمة والغلبة وإنفاق الأموال ليفرق ويفرز أهل الشقاء والشر والكفر (الخبيث) من أهل السعادة والخير والإيمان (الطيب)؛ وليفرز المال الخبيث المنفق في الباطل من المال الطيب المنفق في طاعة الله؛ {وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَىٰ بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا}: أي يجمعه ويلقيه كوماً واحداً متراكماً منضوداً كركام السحاب والقمامة، {فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ}: يلقي الخبيث من الأشخاص والأموال والأعمال في قعر جهنم؛ {أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} الذين خسروا أنفسهم وأموالهم وأهليهم يوم القيامة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 54)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٥٤: يوضح ابن كثير أن الركم هو جمع الشيء وإلقاء بعضه فوق بعض حتى يصير ركاماً مضغوطاً؛ كقوله تعالى في السحاب: {ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا} [النور: 43]؛ فيجمع الله الكفار وأعمالهم الباطلة وأموالهم الخبيثة التي صدوا بها عن سبيله، فيركمهم جميعاً في النار مهانين محتقرين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{لِيَمِيزَ}: المَيْز هو الفصل والتفريق بين الأشياء المختلطة وفرز الصالح من الفاسد؛ ماز الشيء يميزه ميزاً وميَّزه تمييزاً.
{الْخَبِيثَ}: الخبيث ضد الطيب؛ وهو الرديء الفاسد النجس من الأشخاص والعقائد والأقوال والأموال.
{فَيَرْكُمَهُ}: الرَّكْم هو جمع الشيء فوق الشيء وإلقاء بعضه على بعض متراكماً حتى يتكاثف؛ يقال: ركم المتاع إذا كومه كوماً واحداً.
الإعراب والتركيب:
{لِيَمِيزَ}: اللام لام التعليل، يميز فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة، والمصدر المؤول متعلق بـ (يحشرون) أو بـ (يغلبون).
{الْخَبِيثَ}: مفعول به منصوب بالفتحة.
{مِنَ الطَّيِّبِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يميز).
{وَيَجْعَلَ}: الواو عاطفة، يجعل معطوف على (يميز) منصوب بالفتحة والفاعل مستتر.
{الْخَبِيثَ}: مفعول به أول منصوب.
{بَعْضَهُ}: بدل بعض من كل من الخبيث منصوب والهاء مضاف إليه.
{عَلَىٰ بَعْضٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف مفعول به ثانٍ لـ (يجعل).
وقراءة التشديد تدل على التمييز البالغ الدقيق الذي لا يغادر ذرة خبيثة إلا فرزها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بيان الحكمة الإلهية العليا والغاية الوجودية من الصراع والابتلاء:
لماذا قدر الله وقوع المعارك وإنفاق الأموال والغلبة والهزيمة؟
الجواب الحاسم: {لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ}؛ فالمعارك والمحن كيرٌ ينفي الخبث ويصقل الذهب الخالص؛ ليتميز الصادق من المنافق، والمجاهد من القاعد، والمال الحلال من مال الصد عن سبيل الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة شمول الخبيث للأشخاص والأموال والأعمال:
هل المراد بالخبيث الأشخاص (الكفار) أم الأموال أم الأعمال؟
الدفع والمحاكمة اللغوية والجمعية الرصينة:
لفظ {الْخَبِيثَ} جنس عام يستغرق كل ما اتصف بالخبث والشر؛ فيشمل:
خبث العقيدة والأشخاص (الكفار والمنافقين في مقابل المؤمنين الطيبين).
خبث الأعمال (الصد والظلم في مقابل الجهاد والبر).
خبث الأموال (أموال السحت والصد عن سبيل الله في مقابل الصدقات الحلال).
وهذا من إعجاز القرآن في إطلاق الألفاظ المستغرقة؛ فالله يركم كل هذا الخبث المتراكم في جهنم لتكون مستقراً لكل نتن وفساد في الوجود.
المجاز الصوري والتمثيل البصري البديع في {فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا}: تصوير حسي غاية في الإهانة والتحقير؛ شبه هؤلاء الطغاة المستكبرين وأموالهم وأعمالهم بأكداس القمامة والأوساخ التي تُجمع كوماً فوق كوم ثم تُقذف مجتمعة في قعر جهنم؛ فما أعظم هوانهم على الله!
الحصر بضمير الفصل {أُولَٰئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ}: حصر الخسران المطلق فيهم؛ لأنهم خسروا الدنيا التي أنفقوا فيها أموالهم، وخسروا الآخرة بدخول النار.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سنة التمايز والابتلاء: لا بد للأمة من أوقات تمحيص وشدائد ليظهر الصادق من الكاذب وينكشف المنافقون والمندسون؛ فالرخاء يخلط الصفوف، والشدائد تصفيها وتميز الخبيث من الطيب.
طهارة المنهج والمال: على المسلم أن يحرص على أن يكون في صف الطيبين بماله ونفسه وعمله؛ فإن الله طيب لا يقبل إلا طيباً.