تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 485)جامع البيانالطبري١٣/٤٨٥: يروي الطبري بإسناده عن عبد الله بن عباس ومجاهد وعروة بن الزبير ومحمد بن إسحاق قصة مؤامرة دار الندوة بمكة: «أن قريشاً لما رأت أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قد هاجروا إلى المدينة ولحقوا بالأنصار، أجمعوا أمرهم في دار الندوة ليتشاوروا في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يلحق بهم، فدخل عليهم إبليس في صورة شيخ نجدي جليل؛ فقال بعضهم: احبسوه في الحديد حتى يموت كالشعراء قبله وهو قوله: {لِيُثْبِتُوكَ}؛ فقال الشيخ النجدي: ليس هذا برأي، يوشك أصحابه أن يثبوا عليكم فينتزعوه من أيديكم؛ فقال آخر: أخرجوه وانفوه من بلادكم وتستريحوا منه وهو قوله: {أَوْ يُخْرِجُوكَ}؛ فقال الشيخ النجدي: ليس هذا برأي، ألم تروا حلاوة كلامه وحسن حديثه فوالله لئن نفيتموه لينزلن على قبائل العرب فيستميلهم ثم يسير بهم إليكم فيخرجكم من دياركم! فقال أبو جهل بن هشام: أرى أن نأخذ من كل بطن من بطون قريش شاباً نسيباً جلداً، ثم نعطي كل واحد منهم سيفاً صارماً، فيعمدوا إليه فيضربوه ضربة رجل واحد، فيتفرق دمه في القبائل جميعاً، فلا يقدر بنو عبد مناف على حرب قريش كلها فيرضوا بالدية فنؤديها إليهم؛ فقال الشيخ النجدي: هذا هو الرأي ولا أرى غيره! فتفرقوا على ذلك، فأتى جبريل عليه السلام النبي صلى الله عليه وسلم وأخبره بالمكر وأمره ألا يبيت في مضجعه تلك الليلة، وأذن له في الهجرة؛ وبات علي بن أبي طالب في فراشه، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم عليهم وهم يحيطون بداره وذر التراب على رؤوسهم وهو يتلو سورة يس فأعمى الله أبصارهم، ونجاه الله إلى الغار ثم إلى المدينة المنورة».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 43)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٣: يوضح ابن كثير أن الله تعالى يمتن على رسوله صلى الله عليه وسلم وعلى المؤمنين بإفشال أخطر مؤامرة حيكت لاغتياله بمكة، وكيف رد الله مكرهم في نحورهم؛ فكان خروجه سبباً لعز الإسلام وتأسيس دولته وانكسار قريش ومقتل هؤلاء المتآمرين في بدر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَمْكُرُ}: المكر في الأصل هو الاحتيال والتدبير الخفي في باطن الأمر بخلاف ظاهره؛ ومكر المخلوق سعي بالسوء والخديعة، ومكر الله تدبير بالحق والعدل لإحباط مكر الماكرين من حيث لا يشعرون ومجازاتهم بمكرهم.
{لِيُثْبِتُوكَ}: الإثبات هنا الحبس والتقييد بالأغلال؛ أثبته إذا قيده بحيث لا يقدر على الحركة وثبت مكانه؛ وقيل: إثخانه بالجراح حتى لا يتحرك.
{أَوْ يُخْرِجُوكَ}: بالنفي والطرد والتشريد من وطنه مكة المكرمة.
{خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}: الخير هنا أفعل تفضيل، ومكر الله خير لأنه بالحق والعدل ودفع الظلم ونصرة الصالحين.
الإعراب والتركيب:
{وَإِذْ}: الواو استئنافية، (إذ) ظرف لما مضى من الزمان مفعول به لفعل محذوف تقديره (واذكر إذ يمكر).
{يَمْكُرُ}: فعل مضارع مرفوع لتجرده عن الناصب والجازم، واستعمل المضارع لاستحضار الصورة العجيبة.
{بِكَ}: متعلقان بـ (يمكر).
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل.
{كَفَرُوا}: صلة الموصول.
{لِيُثْبِتُوكَ}: اللام لام التعليل، يثبتوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل والكاف مفعول به، والمصدر المؤول متعلق بـ (يمكر).
{وَيَمْكُرُونَ}: الواو واو الحال أو استئنافية، يمكرون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{وَيَمْكُرُ}: الواو عاطفة للمشاكلة والمقابلة، يمكر فعل مضارع مرفوع بالضمة.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة.
{وَاللَّهُ}: الواو استئنافية، لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع.
{خَيْرُ}: خبر المبتدأ مرفوع وهو مضاف.
{الْمَاكِرِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم البديع يربط بين نصر بدر ونصر الهجرة:
فالمشركون الذين هُزموا ببدر وأُذلوا هم أنفسهم أصحاب مكر دار الندوة الذين أرادوا حبس النبي أو قتله أو نفيه.
فذكر الله نبيه والمؤمنين بنعمته في نجاته من مكرهم الأول بمكة، ليكون ذلك دليلاً قاطعاً على أن مكرهم الثاني في بدر محكوم عليه بالإحباط والهلاك؛ فالله الذي نجاه وهو وحيد في الغار سينصره حتماً وهو في جيش بدر المؤيد بالملائكة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إطلاق صفة "المكر" على الله تعالى ومحاكمة المعطلة والمشبهة:
استشكلت المعتزلة والجهمية نسبة المكر لله تعالى قائلين: المكر خداع وحيلة وهو من صفات النقص فكيف يوصف الله به؟
الدفع والمحاكمة العقدية الصارمة عند أهل السنة والجماعة:
صفة المكر من "صفات الأفعال المقيدة" التي لا يجوز إطلاقها على الله مطلقاً بغير قيد؛ فلا يقال: "الله ماكر" سبحانه وتعالى؛ بل تطلق مقيدة في موضع المقابلة والمجازاة العادلة لمن مكر بأوليائه؛ كقوله: {وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ}.
المكر في حق المخلوق نقص لأنه احتيال عن عجز وضعف وخوف؛ أما المكر من الله فهو كمال مطلق؛ لأنه تدبير علوي قاهر خفي بالعدل والحق، يوقع الظالم المستكبر في شر عمله من حيث يظن أنه ينتصر؛ وهو استدراج وإحباط لمؤامرات الباطل وإظهار لفضائحهم؛ فكان مكره خيراً وأعدل وأقهر: {وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}.
أسلوب المشاكلة البديعي: في قوله {وَيَمْكُرُ اللَّهُ} مشاكَلَة لفظية لمكرهم؛ والمشاكلة في البلاغة ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته واقترانه به؛ ومكر الله جزاء عادل وتدبير حكيم.
التعبير بالفعل المضارع {يَمْكُرُ}: رغم أن حادثة دار الندوة كانت ماضية قبل سنتين من بدر؛ لاستحضار المشهد المؤامراتي وتصوير حركتهم وتخبطهم كأنها تعرض الآن على شاشة الوجود الحاضرة ليتأملها المؤمنون.
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
سقوط المؤامرات أمام قدرة الله: لا يمكن لقوى الأرض مجتمعة مهما عقدت من صفقات وغرف استخبارات ومؤامرات في "دار الندوة" الحديثة أن تغير قدراً خطه الله؛ فإذا أراد الله نصر دينه جعل مكر الأعداء سبباً مباشراً لتمكين الحق.
اليقين بالمعية الإلهية: النبي صلى الله عليه وسلم خرج من بين سيوفهم المسلولة وهو يتلو القرآن ويذر التراب؛ فالمؤمن الذي يعتصم بربه لا يخاف كيد الكافرين، ويوقن أن الله خير الماكرين.