تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 615)جامع البيانالطبري١٣/٦١٥: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والشعبي ومحمد بن إسحاق والسدي في سبب نزول الآية: «أنها نزلت في الأوس والخزرج (الأنصار رضي الله عنهم)؛ كانت بينهم في الجاهلية حروب طاحنة وثارات ودماء وعداوة مستحكمة دامت مئة وعشرين سنة (كيوم بعاث وحروب سمير وحاطب)، فكان لا يخمد شرهم ولا يطفأ حريقهم، فلما جاء الله بالإسلام هداهم به وألّف بين قلوبهم فصاروا إخواناً متحابين يبذل أحدهم دمه وماله لأخيه؛ فأخبر الله نبيه أن هذا التأليف العجيب لم يكن بحيلة بشرية ولا بكنوز الأموال: {لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَّا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ} بقدرته التي تصرف القلوب كيف يشاء».
صحيح البخاري وصحيح مسلم (من حديث عبد الله بن زيد بن عاصم رضي الله عنه): خطب رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار يوم حنين حين وجدوا في أنفسهم من قسمة الغنائم، فقال لهم: «يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضُلالاً فهداكم الله بي؟ وعالةً فأغناكم الله بي؟ وأعداءً فألّف الله بين قلوبكم بي؟! فكلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أَمَنّ وأفضل!».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 86)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٨٦: يوضح ابن كثير أن ائتلاف القلوب بعد الشحناء العميقة آية من آيات النبوة ومعجزة ربانية؛ فالمال قد يشتري الأبدان والمصالح المؤقتة، ولكنه يعجز عن شراء القلوب والمودة الصادقة؛ فالله وحده هو الذي يربط بين القلوب بنور الإيمان.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَأَلَّفَ}: التأليف هو الجمع بين المتفرقات والضم والملاءمة حتى تصبح كالشيء الواحد؛ وألّف بين القلوب جمعها على المحبة والوفاق؛ والائتلاف ضد الاختلاف.
{مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}: صيغة استغراق وإحاطة لكل كنوز الأرض وثرواتها وخيراتها.
الإعراب والتركيب:
{وَأَلَّفَ}: الواو عاطفة، ألّف فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الله.
{بَيْنَ}: ظرف مكان منصوب وهو مضاف متعلق بـ (ألّف).
{قُلُوبِهِمْ}: مضاف إليه مجرور والهاء مضاف إليه والميم علامة الجمع.
{لَوْ}: حرف شرط غير جازم (امتناع لامتناع).
{أَنفَقْتَ}: فعل ماض مبني على السكون والتاء فاعل.
{مَا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (أنفقت).
{فِي الْأَرْضِ}: متعلقان بمحذوف صلة الموصول.
{جَمِيعًا}: حال منصوبة من (ما).
{مَّا}: نافية.
{أَلَّفْتَ}: فعل ماض والتاء فاعل وجملة ما ألفت جواب لو لا محل لها.
{بَيْنَ}: ظرف مكان مضاف متعلق بـ (ألفت).
{قُلُوبِهِمْ}: مضاف إليه.
{وَلَٰكِنَّ}: الواو عاطفة للاستدراك، لكنّ حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: اسم لكنّ منصوب بالفتحة.
{أَلَّفَ}: فعل ماض والفاعل مستتر، والجملة في محل رفع خبر لكنّ.
{بَيْنَهُمْ}: متعلقان بـ (ألّف).
{إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}: إن واسمها وخبراها تعليلية.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إبراز المعجزة الاجتماعية للإسلام:
لما قال في الآية السابقة: {هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ}.
بيّن في هذه الآية كيف صُنعت تلك القوة البشرية المؤمنة: وهي أنها لم تكن قوة جاهلية ذات حمية قبلية، بل كانت قلوباً متناحرة ألف الله بينها حتى صارت كتلة صلبة كالبنيان يشد بعضه بعضاً.
تقرير عجز القوى المادية والمالية عن تحقيق التماسك المجتمعي الحقيقي بغير نور الوحي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة شراء الولاءات بالمال في الأنظمة السياسية المعاصرة:
يزعم بعض علماء الاجتماع الماديين أن المصالح الاقتصادية والأموال هي القادرة على توحيد المجتمعات والتحالفات!
الدفع والمحاكمة العقلية والواقعية الصارمة:
القرآن يفرق بين "التحالف المصلحي المؤقت" وبين "ائتلاف القلوب الصادق":
التحالفات المبنية على المال والمصالح هشة تزول بزوال المنفعة وتتحول إلى صراع عند اقتسام الغنائم: {تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ} [الحشر: 14].
أما ائتلاف القلوب الذي يضحي فيه المرء بماله ودمه لإخوانه ويؤثرهم على نفسه كما فعل الأنصار والمهاجرون، فهذا يعجز عنه مال الأرض كله؛ لأنه صنع إلهي خالص ينزل من السماء في القلوب عند تجردها لله؛ فالمادة تعجز عن النفاذ إلى سويداء القلوب.
أسلوب الامتناع بـ {لَوْ} والتعميم الاستغراقي بـ {مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا}: أسلوب مبالغة عقلي قطعي؛ يضع كل ثروات الكوكب في كفة ومودة القلوب في كفة ليرجح كفة التأليف الرباني.
الاستدراك بـ {وَلَٰكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ}: حصر الفضل لله وحده وكسر كل دعوى بشرية في الفضل أو المنة؛ فالمنة لله على عباده أن ألّف بينهم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الأخوة الإيمانية نعمة ربانية كبرى: أعظم رأسمال تملكه الأمة المسلمة هو صفاء القلوب والمحبة في الله؛ والواجب على المؤمنين حماية هذه النعمة من نزغات الشياطين ونعرات الجاهلية.
فشل الحلول المادية المجردة في معالجة الشقاق المجتمعي: لا يمكن جمع شمل الشعوب والأمم المتناحرة بالقوانين الصماء أو الرشاوى المالية؛ فالعلاج الجذري يكمن في إحياء الإيمان وتقوى الله في القلوب.