تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 516)جامع البيانالطبري١٣/٥١٦: يروي الطبري بإسناده عن سعيد بن جبير ومجاهد ومحمد بن إسحاق والحكم بن عتيبة والسدي والضحاك في سبب نزول الآية: «أنها نزلت في أبي سفيان بن حرب وصناديد قريش؛ لما رجعت عير قريش إلى مكة بعد وقعة بدر وهلك من هلك من قادتهم، مشى عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش إلى أبي سفيان بن حرب وإلى من كان له في تلك العير تجارة، فقالوا: يا معشر قريش، إن محمداً قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصيب منا! ففعلوا، فأنفقوا أموال العير كلها في تجهيز جيش أحد (وكانت نحو خمسين ألف دينار)؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية مخبراً عن خيبة سعيهم وأن أموالهم ستنفق ثم تنقلب حسرة وندامة عليهم ثم يُغلبون في الدنيا وتكون جهنم مأواهم في الآخرة».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 53)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٥٣: يوضح ابن كثير أن هذه الآية نبوءة قرآنية معجزة وسنة مطردة؛ فالكفار يبذلون أموالهم الطائلة في التآمر على الإسلام والصد عن سبيل الله، فتذهب أموالهم أدراج الرياح دون تحقيق أهدافهم، ولا يجنون من ورائها إلا الحسرة والغيظ والندم في قلوبهم، ثم تكون الغلبة والنصر للمسلمين، ثم مصيرهم الأبدي إلى جهنم زمراً.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{حَسْرَةً}: الحسرة هي أشد الندم والتلهف والأسى على فوات ما لا يمكن استدراكه؛ وانحسار الشيء زواله وانكشافه.
{يُغْلَبُونَ}: الغلبة القهر والكسر والهزيمة.
{يُحْشَرُونَ}: الحشر الجمع والسوق بعنف وإلجاء إلى الموقف أو النار.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب اسم إن.
{كَفَرُوا}: صلة الموصول.
{يُنفِقُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر إن.
{أَمْوَالَهُمْ}: مفعول به منصوب والهاء مضاف إليه.
{لِيَصُدُّوا}: اللام لام التعليل، يصدوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل وعلامة نصبه حذف النون والواو فاعل، والمصدر المؤول متعلق بـ (ينفقون).
{عَن سَبِيلِ}: متعلقان بـ (يصدوا).
{اللَّهِ}: مضاف إليه مجرور.
{فَسَيُنفِقُونَهَا}: الفاء استئنافية، السين للاستقبال والتأكيد، ينفقون فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والهاء مفعول به.
{ثُمَّ}: حرف عطف يفيد التراخي والترتيب الرتبي.
{تَكُونُ}: فعل مضارع ناقص واسمه مستتر تقديره هي يعود على النفقة أو الأموال.
{عَلَيْهِمْ}: متعلقان بمحذوف خبر ثانٍ أو بحسرة.
{حَسْرَةً}: خبر تكون منصوب بالفتحة.
{ثُمَّ}: حرف عطف.
{يُغْلَبُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون والواو نائب فاعل.
{وَالَّذِينَ}: الواو استئنافية، الذين مبتدأ.
{كَفَرُوا}: صلة الموصول.
{إِلَىٰ جَهَنَّمَ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يحشرون) قُدما للحصر والتهويل.
{يُحْشَرُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول ونائب فاعله، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
التسلسل الزمني والسببي البديع في مآل إنفاق الكفار:
أخبر أنهم سينفقون أموالهم بالفعل: وقد أنفقتها قريش في أحد والخندق.
وأخبر أنها ستكون حسرة عليهم: فحصلت لهم الحسرة في أحد بفرارهم دون حسم النصر، وفي الخندق بالريح وهزيمة الأحزاب.
وأخبر أنهم سيُغلبون: فغُلبوا وفُتحت مكة ودانت الجزيرة للإسلام.
وأخبر بمصير المعاندين منهم في جهنم.
وهذا برهان عقلي قطعي على صدق الوحي ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم؛ إذ لا يمكن لبشر في ذلك الوقت المبكر أن يجزم بهذه العواقب لجيش كافر يفوق المسلمين عتاداً ومالاً إلا بوحي من علام الغيوب.
التكرار بـ {ثُمَّ}: التعبير بـ {ثُمَّ} مرتين يفيد التراخي الرتبي وعظم كل مرحلة؛ فالحسرة أعظم وأشد نكاية في النفس من مجرد ضياع المال، والغلبة والهزيمة الميدانية أشد ذلاً من الحسرة، وجهنم هي الطامة الكبرى.
تقديم المعمول في {إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ}: يفيد الحصر والتهويل؛ أي ليس لهم مصير ولا ملجأ يفلتون إليه إلا جهنم وبئس المستقر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أموال الباطل هباء منثور: مهما رصد أعداء الإسلام من ميزانيات ضخمة ومراكز أبحاث وقنوات إعلامية وجيوش للصد عن دين الله، فإن مصير تلك الأموال إلى الفناء والندامة، ولن يوقفوا مد الحق قط.
تثبيت قلوب المؤمنين أمام تفوق العدو المالي: لا يهولن المسلم ما يراه من تدفق أموال الكفار وملياراتهم في الحرب؛ فإن الآية تطمئنه بأنها حسرة عليهم وغلبة لأهل الإيمان.