تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 601)جامع البيانالطبري١٣/٦٠١: يروي الطبري عن مجاهد وقتادة والسدي وابن إسحاق: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا}: أي لا يظنن من نجا من كفار قريش ببدر ولم يقتل ولم يؤسر (كأبي سفيان وفلول الهاربين)، أو لا يظنن بنو قريظة وبنو النضير أنهم فاتوا الله وأعجزوه بإفلاتهم المؤقت؛ {إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ}: أي إنهم لا يفوتون قدرة الله ولا يفلتون من قبضة عذابه وسلطانه؛ بل هم في قبضته وتحت قهره، وسيمكن الله رسوله والمؤمنين من رقابهم في العاجل والآجل.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 81)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٨١: يوضح ابن كثير أن السبق في لغة العرب هو الفوت والنجاة؛ والمعنى: لا يحسب الكفار أنهم بفلتتهم المؤقتة قد انتصروا أو نجوا، فإن الله مطلع عليهم ومحيط بهم، ولن يعجزوا ربه ولن يفلتوا من ميعاده؛ فمصيرهم إلى القهر والذل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{سَبَقُوا}: السبق هو التقدم والفوت بحيث يعجز الطالب عن إدراك المطلوب؛ يقال: سبقه إذا فاته ولم يدركه.
{لَا يُعْجِزُونَ}: الإعجاز هو جعل الغير عاجزاً أو الإفلات من قبضته؛ لا يعجزون الله أي لا يفوتونه ولا يمتنعون عليه في مهرب ولا حصن.
الإعراب والتركيب:
{وَلَا}: الواو استئنافية، (لا) ناهية جازمة.
{يَحْسَبَنَّ}: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم بـ (لا) الناهية.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل لـ (يحسبن) على قراءة الياء، وجملة كفروا صلة الموصول.
{إِنَّهُمْ}: إن حرف توكيد ونصب والهاء اسمها والميم علامة الجمع.
{لَا}: نافية.
{يُعْجِزُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر إن، والجملة الاسمية تعليلية للنهي.
القراءات المتواترة:
قرأ ابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة: {وَلَا يَحْسَبَنَّ} بياء الغيبة؛ وفاعله {الَّذِينَ كَفَرُوا}؛ أي لا يحسبن الكفار أنفسهم سبقوا.
وقرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وشعبة عن عاصم والكسائي وأبو جعفر ويعقوب وخلف العاشر: {وَلَا تَحْسَبَنَّ} بتاء الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والفاعل مستتر تقديره أنت، و(الذين كفروا) مفعول به أول، والمفعول الثاني محذوف تقديره: ولا تحسبن الذين كفروا سابقين أو معجزين.
وقرأ ابن عامر: {أَنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ} بفتح همزة (أنّ) للتعليل؛ وقرأ الباقون: {إِنَّهُمْ} بكسر الهمزة على الاستئناف؛ وكلتا القراءتين حق في تقرير عجزهم ووقوعهم في قبضة الله.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم الحاسم لقطع حبال الأمل الزائف عند الأعداء وتثبيت المؤمنين:
بعد أن أمر بنبذ العهد إلى الخائنين، قد يتوهم الكفار أنهم قادرون على التحصن في حصونهم والهرب من سلطان الإسلام، أو قد يحزن المؤمنون لنجاة بعض فلول المشركين من سيف بدر.
فنزل هذا التقرير القاطع: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا ۚ إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ}؛ ليزول كل قلق من قلوب المؤمنين، وليعلم الكفار أن حبل أمانهم مقطوع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تأخر عقاب بعض الكفار ونجاتهم في الدنيا:
كيف يقال {إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ} ونحن نرى بعض الكفار يفلتون من العقاب الدنيوي ويموتون على فراشهم؟
الدفع والمحاكمة العقدية السنية:
الإعجاز المنفي هو "الإفلات المطلق من ملك الله وحسابه"؛ فلو نجا الكافر من سيف الدنيا فإنه لا يخرج عن ملك ربه طرفة عين، وسينتهي به الموت المحتوم إلى الوقوف بين يدي الجبار لينال عذاب الخلود؛ فليس تأخير عقابهم فواتاً لله، بل هو إملاء واستدراج: {إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا}؛ فكلهم مقهورون في قبضته لا يعجزونه قط.
التوكيد بنون التوكيد الثقيلة في {وَلَا يَحْسَبَنَّ}: لنفي هذا الحسبان والوهم الشيطاني نفياً باتاً حازماً.
الجملة التعليلية المؤكدة بـ {إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُونَ}: قصر وتقرير قطعي لعجزهم التام أمام قدرة الله القاهرة؛ فالإعجاز مستحيل على المخلوق أمام الخالق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
اليقين بأن الباطل محاصر: لا ينبغي للمسلم أن يشعر بالإحباط إذا نجا مجرم أو فر ظالم من يد العدالة الدنيوية؛ فإن يد العدالة الإلهية محيطة به ولن يفلت من ربه أبداً.
طمأنينة المجاهدين: علم المجاهدين بأن أعداءهم لا يعجزون الله يملأ قلوبهم قوة وشجاعة في مطاردتهم وملاحقتهم لإعلاء كلمة الحق.