تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 493)جامع البيانالطبري١٣/٤٩٣: يروي الطبري عن سعيد بن جبير والسدي ومحمد بن إسحاق ومجاهد في سبب نزول الآية: «أن القائل لهذا هو النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف بن عبد الدار؛ وكان قد سافر إلى الحيرة وفارس وتعلم من أخبار ملوك الأعاجم وحديث رستم وإسفنديار، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً فذكر فيه بالله وتلا القرآن وحدّثهم عما أصاب الأمم الخالية، خلفه النضر بن الحارث في مجلسه إذا قام، فقال: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثاً منه، هلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه! ثم يحدثهم عن ملوك فارس ورستم وإسفنديار، ثم يقول: بماذا محمد أحسن حديثاً مني؟! إن ما يتلوه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما اكتتبتها! فأنزل الله فيه هذه الآية، وقُتل النضر بن الحارث صبراً يوم بدر، قتله علي بن أبي طالب بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 45)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٥: يوضح ابن كثير كذبهم وبهتانهم في قولهم: {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا}؛ فإنهم تحدوا بالقرآن فعجزوا عن الإتيان بسورة واحدة منه، وهم فصحاء العرب ولغتهم لغة القرآن؛ فكان قولهم هذا مجرد دعوى كاذبة واستكبار باللسان مع إدراك عقولهم في الباطن لعجزهم عن معارضته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أَسَاطِيرُ}: جمع أُسطورة أو إسطارة، وهي الأباطيل والأحاديث المكتوبة الموضوعة التي لا أصل لها ولا حقيقة؛ من سطّر يسطر إذا كتب ورسم؛ والمعنى: ما سطره القدماء من الخرافات.
{الْأَوَّلِينَ}: جمع أول، والمراد الأمم الغابرة والقرون الماضية.
الإعراب والتركيب:
{وَإِذَا}: الواو استئنافية، إذا ظرف زمان شرطي.
{تُتْلَىٰ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة للتعذر.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ (تتلى).
{آيَاتُنَا}: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة، و(نا) مضاف إليه، والجملة في محل جر بالإضافة لـ (إذا).
{قَالُوا}: فعل ماض مبني على الضم والواو فاعل، والجملة جواب شرط غير جازم لا محل لها.
{قَدْ}: حرف تحقيق.
{سَمِعْنَا}: فعل ماض و(نا) فاعل، والجملة مقول القول في محل نصب.
{لَوْ}: حرف شرط غير جازم (امتناع لامتناع).
{نَشَاءُ}: فعل مضارع مرفوع والفاعل مستتر تقديره نحن.
{لَقُلْنَا}: اللام واقعة في جواب لو، قلنا فعل ماض وفاعله، وجملة لقلنا جواب لو لا محل لها.
{مِثْلَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف.
{هَٰذَا}: الهاء للتنبيه، (ذا) اسم إشارة مضاف إليه.
{إِنْ}: حرف نفي بمعنى (ما).
{هَٰذَا}: اسم إشارة مبتدأ.
{إِلَّا}: أداة حصر واستثناء ملغاة.
{أَسَاطِيرُ}: خبر المبتدأ مرفوع وهو مضاف.
{الْأَوَّلِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج مكر قريش وعنادها:
في الآية السابقة بيّن مكرهم العملي الحربي لقتل النبي أو حبسه أو نفيه في دار الندوة.
وفي هذه الآية بيّن مكرهم الدعائي الفكري والشبهات الإعلامية التي كانوا يثيرونها للصد عن القرآن وصرف الناس عن سماعه؛ باتهامه بأنه أساطير الأولين وأنه مقدور على معارضته؛ ليرد الله كيدهم ويكشف خواء حججهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة زعم قريش القدرة على معارضة القرآن:
قالوا: {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَا}؛ فهل كان في مقدورهم ذلك فعلاً؟
الدفع والمحاكمة العقلية والتاريخية القاطعة:
لو كان في طاقتهم أن يقولوا مثله لفعلوا وانتهت المعركة لصالحهم في لحظات دون الحاجة إلى بذل الأموال وخوض الحروب ومقتل قادتهم وأشرافهم في بدر؛ فإن العاقل لا يلجأ إلى بذل الأرواح وخسارة الأموال وهو قادر على إبطال دعوى خصمه بكلمات ينظمها؛ فلما عجزوا عن معارضة أقصر سورة في القرآن مع شدة عداوتهم وفصاحتهم، تبين قطعاً أن قولهم {لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا} كان عناداً مكشوفاً وركوباً لمركب المكابرة الباطلة.
أسلوب الحصر بـ {إِنْ... إِلَّا}: {إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ}؛ قصر القرآن على الخرافات قصر ادعاء وظلم؛ لإيهام السامعين بعدم وجود أي إعجاز أو حقيقة فيه.
الإشارة بـ {هَٰذَا} للتحقير: استعملوا اسم الإشارة للقريب تحقيراً لشأن القرآن العظيم بزعمهم الفاسد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
أساليب الحرب الإعلامية ضد الحق: تشويه الحقائق ووسم الوحي بالخرافة والتخلف أسلوب قديم يتوارثه أعداء الإسلام؛ والواجب على أهل الحق تفنيد هذه الشبهات بالبراهين الساطعة وبيان إعجاز القرآن.
نهاية المشككين: النضر بن الحارث الذي كان يزعم أن حديثه أحسن من القرآن أُسر ببدر وقُتل صبراً، وبقي القرآن معجزاً محفوظاً يملأ الآفاق؛ فالحق يعلو والباطل يزهق.