تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 476)جامع البيانالطبري١٣/٤٧٦: يروي الطبري بإسناده عن مجاهد وقتادة ومحمد بن إسحاق والسدي والزهري في سبب نزول الآية: «أنها نزلت في أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري رضي الله عنه، حين بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة حين حاصرهم، فنزلوا على حكم رسول الله، فاستشاروا أبا لبابة: أننزل على حكمه؟ فأشار أبو لبابة بيده إلى نحره - أي إنه الذبح والقتل إن نزلتم - قال أبو لبابة: فوالله ما زالت قدماي من مكانهما حتى علمت أني قد خنت الله ورسوله! فرجع ولم يأت النبي صلى الله عليه وسلم، بل ربط نفسه بسارية المسجد وقال: والله لا أذوق طعاماً ولا شراباً ولا يحلني أحد حتى يموت أو يتوب الله عليّ، فمكث سبعة أيام حتى سقط مغشياً عليه، فنزل قوله تعالى في براءة: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ}، فجاء رسول الله فحله بيده».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 40)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٠: يوضح ابن كثير أن الآية تعم كل صور الخيانة؛ فخيانة الله ورسوله تكون بترك الفرائض وارتكاب المحرمات وإفشاء أسرار الدولة الإسلامية للأعداء والغلول في الغنائم؛ وخيانة الأمانات تكون في المعاملات المالية والودائع والعهود مع الناس؛ والمؤمن الحق من أدى الأمانات إلى أهلها وبرئ من دنس الغدر والخيانة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{لَا تَخُونُوا}: الخيانة نقيض الأمانة والوفاء؛ وأصل الخون في اللغة النقص والفساد؛ يقال: خانه يخونه خوناً وخيانة إذا غدر به ونقص حقه وأفشى سره في خفاء.
{أَمَانَاتِكُمْ}: جمع أمانة، وهي كل ما يؤتمن عليه الإنسان من حقوق الله وحقوق العباد، كالدين والفرائض والودائع والأسرار والمجالس.
الإعراب والتركيب:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: نداء للمؤمنين.
{لَا}: ناهية جازمة.
{تَخُونُوا}: فعل مضارع مجزوم بحذف النون والواو فاعل.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة مفعول به منصوب.
{وَالرَّسُولَ}: معطوف منصوب بالفتحة.
{وَتَخُونُوا}: الواو عاطفة، وتخونوا معطوف على (لا تخونوا) مجزوم مثله بالنهي؛ أو الواو واو المعية وتخونوا فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد واو المعية والتقدير: لا تجمعوا بين خيانة الله وخيانة أماناتكم.
{أَمَانَاتِكُمْ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم، والكاف مضاف إليه والميم علامة الجمع.
{تَعْلَمُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل تخونوا.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النظم البديع في صيانة الجبهة الداخلية:
بعد أن أمرهم بتقوى الفتنة العامة وذكرهم بنعمة النصر والتمكين بعد الاستضعاف، حذرهم من أخطر آفات الجبهة الداخلية التي تهدم الدول وتضيع الانتصارات: وهي "الخيانة وإفشاء الأسرار والتفريط في الأمانات".
ربط خيانة حقوق العباد بخيانة الله والرسول: لبيان أن الأمانات كلها متصلة؛ فمن ضيع أمانة الناس فقد خان شريعة ربه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إطلاق اسم الخيانة على هفوة أبي لبابة أو حاطب بن أبي بلتعة:
كيف يطلق القرآن لفظ الخيانة على صحابي جليل كأبي لبابة مع إيمانه وصلاحه وندمه الفوري؟
الدفع والمحاكمة التفسيرية والأخلاقية:
القرآن الكريم يعتمد الصدق المطلق والتربية الصارمة؛ فيسمي الأفعال بأسمائها الحقيقية دون مجاملة لأشخاص؛ فالفعل في ذاته (إفشاء سر حربي أو إشارة تكشف المآل للعدو) هو خيانة لمصلحة الأمة، ولذلك فزع أبو لبابة بمجرد الإشارة وقال: "علمت أني قد خنت الله ورسوله"؛ ولكن هذا الخطأ العارض قابله صدق التوبة والانكسار الشديد والاعتراف بالجرم وربط النفس بالسارية حتى تاب الله عليه؛ فجمعت القصة بين هول التحذير من الخيانة، وسعة باب التوبة الصادقة للمؤمنين.
إضافة الأمانات إلى ضمير المخاطبين {أَمَانَاتِكُمْ}: تنبيه لطيف على أن هذه الأمانات هي أماناتهم هم؛ فضياعها ضياع لمجتمعهم وأمنهم وحرماتهم؛ فالخائن يخون نفسه وأمته قبل كل شيء.
القيد الحالي {وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}: تشديد في العقوبة والإنكار؛ لأن الخيانة مع الجهل قبيحة، ولكنها مع العلم بحرمتها وخطورتها تكون في غاية القبح والشناعة واستحقاق المقت.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الأمانة خلق المسلم الأعظم: في الحديث الصحيح: «لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له»؛ فالأمانة تشمل كل تكليف شرعي وكل وظيفة ومسؤولية ومال وسر.
أدب التوبة عند الزلل: الاقتداء بأبي لبابة في سرعة الأوبة والاعتراف بالخطأ ومحاسبة النفس ومجازاتها بالمرابطة في طاعة الله حتى يجد العبد برد المغفرة والرضوان.