تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 384)جامع البيانالطبري١٣/٣٨٤: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} قال: "المنافقون لا يدخل قلوبهم شيء من ذكر الله عند أداء فرائضه، ولا يؤمنون بشيء من آيات الله، ولا يتوكلون على الله، ولا يصلون إذا غابوا، ولا يؤدون زكاة أموالهم؛ فأخبر الله تعالى أن المؤمنين هم الذين يراقبون الله فيخافونه وتوجل قلوبهم، فإذا همّ أحدهم بمعصية ذُكِّر بالله فاروى ووجل قلبه، وإذا سمعوا آيات الله زادتهم تصديقاً ويقيناً".
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 8)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٨: يوضح ابن كثير عن السدي وأم الدرداء: "الوجل هو الخوف والخشية التي تصيب قلب المؤمن عند تذكر عظمة الله ووعيده، فينزجر عن الهوى ويخبت لله؛ وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً استدل به أئمة السلف كالبخاري وأحمد والشافعي على أن الإيمان يزيد وينقص؛ يزيد بالطاعات وسماع القرآن، وينقص بالمعاصي والغفلة".
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 315)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣١٥: يقرر السعدي أن الحصر في الآية بـ {إِنَّمَا} هو حصر كمال؛ أي المؤمنون الكُمَّل هم الذين اتصفوا بهذه الخصال الجليلة: وجل القلب لذكر الله، زيادة الإيمان بسماع الوحي، وكمال التوكل والاعتماد على الله وحده في جلب المنافع ودفع المضار.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَجِلَتْ}: الوجل هو الخوف والمهابة المقترنة بالتعظيم والارتعاد؛ يقال: وجل يوجل وجلاً، ورجل وجِل؛ والفرق بينه وبين الخوف أن الوجل حركة النفس واضطرابها عند مفاجأة ذكر ما يخاف منه أو استحضار عظمته.
{يَتَوَكَّلُونَ}: التوكل تفعل من الوكالة، وهو صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب المصالح ودفع المضار مع الأخذ بالأسباب المشروعة.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّمَا}: كافة ومكفوفة أداة حصر.
{الْمُؤْمِنُونَ}: مبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الواو لأنه جمع مذكر سالم.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ.
{إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{ذُكِرَ}: فعل ماض مبني للمجهول مبني على الفتح.
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة نائب فاعل مرفوع بالضمة، والجملة في محل جر بالإضافة لـ (إذا).
{وَجِلَتْ}: فعل ماض والتاء للتأنيث.
{قُلُوبُهُمْ}: فاعل مرفوع والهاء مضاف إليه والميم علامة الجمع، وجملة (وجلت قلوبهم) جواب شرط غير جازم لا محل لها، وجملة الشرط والجواب صلة الموصول.
{وَإِذَا}: الواو عاطفة، إذا ظرفية شرطية.
{تُلِيَتْ}: فعل ماض مبني للمجهول والتاء للتأنيث.
{عَلَيْهِمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ (تليت).
{آيَاتُهُ}: نائب فاعل مرفوع والهاء مضاف إليه.
{زَادَتْهُمْ}: فعل ماض والفاعل مستتر تقديره هي يعود على الآيات، والهاء مفعول به أول.
{إِيمَانًا}: مفعول به ثانٍ أو تمييز منصوب بالفتحة.
{وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ}: الواو عاطفة، على حرف جر، ربهم اسم مجرور والهاء مضاف إليه، والجار والمجرور متعلقان بـ (يتوكلون) قُدما لإفادة الحصر.
{يَتَوَكَّلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر المتواترة على القراءة المعتمدة للآية الكريمة دون خلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
لما قال في ختام الآية السابقة: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، جاءت هذه الآية لتبين معالم هذا الإيمان المشترط وميزانه الدقيق؛ فكأن سائلاً سأل: ومن هم المؤمنون حقاً حتى نقيس أنفسنا بهم ونحقق هذا الشرط؟ فجاء الجواب بذكر خمس خصال: ثلاث قلبية باطنة (الوجل، زيادة الإيمان بسماع القرآن، والتوكل)، وخصلتان ظاهرتان بدنية ومالية (إقامة الصلاة، والإنفاق) في الآية التالية.
تقديم الخصال القلبية على الأعمال الظاهرة؛ لأن القلب هو الملك والجوارح جنوده ورعاياه، فإذا صلح القلب بالوجل واليقين والتوكل صلحت الجوارح بالصلاة والإنفاق.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المرجئة في مسألة زيادة الإيمان ونقصانه:
ادعت المرجئة والجهمية أن الإيمان شيء واحد لا يتجزأ ولا يزيد ولا ينقص، وزعموا أن التصديق لا يقبل التفاوت!
الدفع والمحاكمة العقدية عند أئمة أهل السنة والحديث:
الآية الكريمة حجة قاطعة تدمر أصل مذهب المرجئة؛ حيث صرحت: {وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا}؛ والزيادة صريحة في قبول التفاوت؛ وقد تكرر هذا المعنى في القرآن في مواضع كقوله: {لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ} [الفتح: 4]، وقوله: {فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [التوبة: 124].
التفاوت واقع في التصديق القلبي (فاليقين درجات: علم اليقين، عين اليقين، حق اليقين؛ وخبر الصادق ليس كالمعاينة بدليل قول إبراهيم عليه السلام: {وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي})، وواقع في أعمال القلوب (فالوجل والخشية والمحبة تزيد وتضعف)، وواقع في أعمال الجوارح (فالمكثر من الصلاة والإنفاق أعظم إيماناً من المقصر)؛ وبذلك يثبت مذهب السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية.
أسلوب الحصر بـ {إِنَّمَا}: لإفادة حصر الكمال؛ أي لا يستحق اسم الإيمان الكامل المحقق إلا من قامت به هذه الأوصاف الشريفة.
تقديم المعمول في {وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}: يفيد القصر والاختصاص؛ أي لا يتوكلون إلا على ربهم، فلا يرجون سواه، ولا يخافون غيره، ولا يعلقون قلوبهم بالأسباب والأشخاص.
إسناد الزيادة إلى الآيات مجازاً عقلياً: {زَادَتْهُمْ آيَاتُهُ} والفاعل الحقيقي هو الله تعالى، لكن لما كانت الآيات سبباً في زيادة البصائر واليقين نُسب الفعل إليها إبرازاً لأثر الوحي في إحياء القلوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
المؤمن بين الوجل والرجاء: علامة القلب الحي أن ينبض بالوجل عند استحضار جلال الله ونهيه، وأن يفيض بالطمأنينة واليقين عند تدبر آياته؛ فالوجل يمنعه من المعصية، وتدبر الآيات يدفعه إلى الطاعة، والتوكل يثبته في المحن.
تدبر القرآن معراج الإيمان: من أحس بضعف في إيمانه أو قسوة في قلبه فدواؤه الناجع هو الإقبال على كتاب الله تلاوة وتدبراً واستماعاً؛ فإن الآيات هي الغذاء الذي ينمو به شجر الإيمان في القلوب.