تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 416)جامع البيانالطبري١٣/٤١٦: يروي الطبري بإسناده عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: «ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد، ولقد رأيتنا وما فينا إلا نائم إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح»؛ ويروي عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أن المسلمين لما نزلوا بدراً نزلوا على غير ماء وبكثيب رمل أعفر تسوخ فيه أقدامهم، وسبقهم المشركون إلى ماء بدر، وأصاب بعض المسلمين الجنابة والحدث، فألقى الشيطان في قلوبهم الوسوسة والحزن وقال: تزعمون أنكم أولياء الله وفيكم رسوله وقد غلبكم المشركون على الماء وتصلون مجنبين ومحدثين؟! فأنزل الله تعالى عليهم مطراً غزيراً ليلة بدر؛ فكان على المشركين وابلاً وطوفاناً منعهم من التقدم، وكان على المسلمين طهوراً ورزقاً؛ فاغتسلوا وتطهروا وتوضؤوا، ولبّد المطر الرمل فثبتت أقدامهم، وأنزل عليهم النعاس فناموا آمنين مطمئنين وذهب عنهم وسواس الشيطان.
صحيح البخاري (كتاب التفسير، تفسير سورة الأنفال): يذكر البخاري أثر ابن مسعود رضي الله عنه: «النعاس في القتال أَمَنَةٌ من الله، وفي الصلاة من الشيطان»؛ لأن النعاس في موطن الحرب والخوف لا يكون إلا عن سكون نفس وطمأنينة قلب ألقاها الله في روع المؤمنين، بينما في الصلاة من كسل الشيطان ليصدهم عن الخشوع.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 20)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٢٠: يبين ابن كثير أن الله تعالى امتن على المؤمنين في بدر بأربع نعم حسية ونفسية كبرى متلازمة:
النعاس الذي غشيهم فاستراحوا به واستعادوا نشاطهم وذهبت عنهم روعة الخوف: {أَمَنَةً مِّنْهُ}.
{لِّيُطَهِّرَكُم}: اللام لام التعليل، يطهر فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد لام التعليل، والكاف مفعول به والفاعل مستتر، والمصدر المؤول في محل جر باللام متعلق بـ (ينزل).
{بِهِ}: متعلقان بـ (يطهركم).
{وَيُذْهِبَ}: معطوف على (يطهركم) منصوب مثله.
{عَنكُمْ}: متعلقان بـ (يذهب).
{رِجْزَ}: مفعول به منصوب وهو مضاف.
{الشَّيْطَانِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{وَلِيَرْبِطَ}: معطوف على ما قبله منصوب بأن مضمرة والفاعل مستتر.
{عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يربط) والكاف مضاف إليه.
{وَيُثَبِّتَ}: معطوف منصوب والفاعل مستتر.
{بِهِ}: متعلقان بـ (يثبت)، والضمير يعود على المطر أو الربط.
{الْأَقْدَامَ}: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
القراءات المتواترة:
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: {يَغْشَاكُمُ النُّعَاسُ} بفتح الياء والشين وتخفيفها وضم النعاس على أنه فاعل، والكاف مفعول به؛ أي يغشاكم النعاس غشياناً.
ثم تقوية العزيمة وتماسك القلب الإيماني: {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ}.
ثم تثبيت الأرض المادية تحت أقدام المقاتلين لتسهيل الكر والفر: {وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}.
تكامل تام بين عالم الغيب والشهادة، وعالم الروح والجسد، وعالم الأرض والسماء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة تسلط وسوسة الشيطان على أهل بدر:
كيف يوسوس الشيطان لأهل بدر وفيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وجبريل والملائكة؟
الدفع والمحاكمة النفسية والشرعية:
وسوسة الشيطان ليست تسلطاً قهرياً على القلوب، بل هي إلقاء خواطر وهمية مستغلة للأسباب المادية الحسية الظاهرة؛ حيث وجد المسلمون أنفسهم في عطش وعلى كثيب زلق لا يثبت فيه قدم، بينما استولى المشركون على الماء العذب والأرض الصلبة؛ فانتهز الشيطان تلك الفاقة المادية ليقذف بخواطر الضعف؛ فجاء التدخل الإلهي بالمطر المعجز الذي انقلب في صلب المعادلة فلبّد رمل المسلمين وجعله وطاءً صلباً، وجعل أرض المشركين وحلاً وطوفاناً تعوق حركتهم؛ فبطل كيد الشيطان في لحظة وخرست وساوسه؛ ليعلم المؤمنون أن موازين المعركة بيد الله يقلبها كيف يشاء.
التنكير في {أَمَنَةً}: تنكير تعظيم ونوعية؛ أي أمناً عجيباً خاصاً لا يدرك كنهه إلا من ذاقه، ينسي العبد أهوال السيوف والرماح.
التعبير بالربط {وَلِيَرْبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ}: استعارة تمثيلية لرباط الصبر والسكينة؛ شبه القلب المضطرب من الخوف بالشيء الذي كاد يتفلت فربط عليه صاحبه برباط متين حتى استقر وسكن؛ ونظيرتها في قصة أم موسى: {لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَىٰ قَلْبِهَا}.
التثبيت المزدوج في {وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ}: جمع بين التثبيت الحسي (تلبيد الرمل حتى لا تسوخ الأقدام)، والتثبيت المعنوي (ثبات الأقدام في الميدان وعدم الفرار أمام العدو)؛ وهو من جوامع الكلم القرآني.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الطهارة الحسية والروحية سلاح النصر: بدأ الله إعداد الجيش بتطهيره بالماء من الجنابة والحدث، ثم تطهيره من وسوسة الشيطان؛ فالقلوب الطاهرة والأبدان المتطهرة هي المستحقة لتنزل ملائكة النصر.
السكينة عطاء رباني في المحن: عند اشتداد الأزمات والمحن يتنزل الله على قلوب أوليائه بسكينة ونعاس يربط به على جأشهم، في حين يرتعد الطغاة في حصونهم.