تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 584)جامع البيانالطبري١٣/٥٨٤: يروي الطبري عن مجاهد وقتادة وابن عباس: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ}: أي كعادتهم وسنتهم وطريقتهم في الكفر والتكذيب والاستكبار؛ وكصنيع الله بهم في الهلاك والنكال؛ فكما كفر آل فرعون وعاد وثمود بآيات ربهم فأنزل الله بهم العذاب المستأصل بذنوبهم، فكذلك فعل بمشركي قريش ببدر؛ لأن كفرهم مماثل لكفر أولئك، وسنة الله في معاقبة الكافرين واحدة لا تتبدل ولا تحابي أحداً؛ {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ} لا يفوته هارب، {شَدِيدُ الْعِقَابِ} لمن عانده.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 75)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٧٥: يوضح ابن كثير أن الله تعالى يقيس طغاة مكة بصناديد الفراعنة والأمم السابقة؛ لبيان أن القوة والبطش الدنيوي لا يعجز الله؛ ففرعون كان أعظم ملكاً وأشد قوة من أبي جهل وقريش، ومع ذلك لما كفر بالآيات أخذه الله أخذ عزيز مقتدر وأغرقه وجنده؛ فكذلك أخذ كفار بدر بالسيف والرمي في القليب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{كَدَأْبِ}: الدَّأْب في كلام العرب هو العادة المستمرة والشأن والسيرة والملازمة للشيء؛ دأب على العمل يدأب دأباً ودؤوباً إذا لازم العمل واعتاده واستمر عليه.
{آلِ فِرْعَوْنَ}: أتباعه وأشياعه وقومه وقبيلته في الكفر.
{قَوِيٌّ}: ذو القوة المطلقة التي لا يعجزها شيء ولا يدخلها ضعف ولا فتور.
الإعراب والتركيب:
{كَدَأْبِ}: الكاف حرف جر وتشبيه، دأب اسم مجرور بالكاف متعلق بمحذوف خبر لمبتدأ محذوف تقديره: صنيع هؤلاء كدأب آل فرعون، أو دأب هؤلاء كدأب آل فرعون.
{آلِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة وهو مضاف.
{فِرْعَوْنَ}: مضاف إليه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة.
{وَالَّذِينَ}: الواو عاطفة، الذين اسم موصول معطوف على آل فرعون في محل جر.
{مِن قَبْلِهِمْ}: متعلقان بمحذوف صلة الموصول.
{كَفَرُوا}: فعل ماض والواو فاعل والجملة مفسرة لدأبهم أو حالية.
{بِآيَاتِ}: متعلقان بـ (كفروا).
{اللَّهِ}: مضاف إليه مجرور.
{فَأَخَذَهُمُ}: الفاء عاطفة لترتيب العقوبة على الذنب، أخذ فعل ماض والفاعل لفظ الجلالة والهاء مفعول به والميم علامة الجمع.
{بِذُنُوبِهِمْ}: الباء سببية، ذنوبهم مجرور والهاء مضاف إليه متعلقان بـ (أخذهم).
{إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ}: إن واسمها وخبراها، والجملة تعليلية لا محل لها.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
إدراج معركة بدر ومصير كفارها في السياق السنني الكوني:
لئلا يظن كفار قريش أن هلاكهم ببدر كان مصادفة عسكرية أو مجرد حركة قبلية عارضة.
بل هو قانون كوني مطرد جرى على أعتى الملوك (آل فرعون ومن قبلهم عاد وثمود)؛ فالتشابه في الكفر يستلزم التشابه في الهلاك؛ فكان هذا الربط ترسيخاً لسنن التاريخ القرآني.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تكرار قوله: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} في الآية 52 ثم في الآية 54:
لماذا كرر قوله {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} بعد آية واحدة فقط؟
الدفع والمحاكمة البلاغية والبيانية المعجزة:
التكرار هنا ليس تكراراً محضاً، بل لكل آية نكتة ومعنى تأسيسي مستقل:
في الآية الأولى (52): قُرن الدأب بـ "الكفر بالآيات والأخذ بالذنوب وشدة العقاب": {كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ}؛ وهو تشبيه لعادتهم في الكفر والتكذيب ومجازاتهم بالقهر.
في الآية الثانية (54): قُرن الدأب بـ "التكذيب بالآيات وسنة تغيير النعم وإهلاكهم بالغرق": {كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ}؛ وجاءت بعد تقرير سنة تغيير النعم: {حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.
التشبيه التمثيلي بسيرة آل فرعون: لأن فرعون كان المثل الأعلى في الطغيان والتجبر في الذاكرة البشرية؛ فضرب المثل به ترهيباً لكل طاغية متجبر بأن مصيره سيكون كمصير فرعون.
الفاء السببية في {فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ}: لبيان أن الأخذ والعقاب ثمرة مباشرة للذنوب، وأن الذنوب هي الصواعق التي تجلب الهلاك للدول والأمم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قراءة التاريخ بميزان السنن الإلهية: التاريخ ليس حوادث عشوائية، بل هو سجل لسنن الله الماضية في هلاك الظالمين وتمكين المتقين؛ فمن قرأ التاريخ بالقرآن استشرف المستقبل بيقين.
قوة الله تقصم الجبابرة: مهما بلغت قوة الدول العظمى اليوم فإنها أمام قوة الله أضعف من خيط العنكبوت؛ {إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.