أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج الإمام أحمد في المسند (رقم: 228)مصدر غير محددحديث رقم ٢٢٨ والترمذي وحسنه (رقم: 1714)مصدر غير محددحديث رقم ١٧١٤ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فُضِّلْتُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ... وَأُحِلَّتْ لِيَ الغَنَائِمُ». وبعد العتاب الإلهي السابق في أخذ الفداء من أسرى بدر في الآية الكريمة: {لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، خشي الصحابة الكرام من الاقتراب من أموال الفداء والغنائم فأنزل الله عز وجل ترخيصاً ومنة: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا} لبيان حلها الصريح ورفع الحرج والتأثيم عنهم.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
ذكر الإمام الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 81)جامع البيانالطبري١٤/٨١: أن الفاء فاء التعقيب المقتضية للترخيص وإزالة الوجل؛ فبينما كان القوم مشفقين من نزول عذاب بأخذ الفداء، أباح الله لهم التصرف فيما حازوه مبيناً أنه رزق حلال طيب كتبه لهم.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 94)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٩٤: خفف الله عن هذه الأمة المرحومة، فأباح لها الغنائم دون سائر الأمم السابقة التي كانت تنزل نار من السماء فتحرق غنائمهم؛ فجاءت الآية لتقرر حل الانتفاع بالغنائم والفداء.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 53)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٥٣: أن قوله {حَلَالًا طَيِّبًا} مبالغة في إباحة الغنائم ورفع التبعة الأخروية عنها؛ فالغنائم أحل المكاسب وأشرفها لأنها حاصلة بالجهاد لإعلاء كلمة الله عز وجل.
قال السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 326)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٢٦: رخص الله للمؤمنين في تناول ما غنموه، وأمرهم بملازمة التقوى لأن النصر والغنائم لا تنفك عن الحاجة لليقظة الإيمانية لئلا يدخل النفوس الطمع أو الزهو الدنيوي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
فَكُلُوا: الفاء عاطفة تفريعية، والأمر هنا للإباحة والامتنان. والأكل يطلق في كلام العرب ويراد به مطلق الانتفاع والاستهلاك لأن الأكل هو أعظم أوجه الانتفاع وألزمها لحياة الآدمي.
غَنِمْتُمْ: مأخوذ من الغُنم وهو الفوز بالشيء بلا مشقة مكافئة، وأصله في كلام العرب إصابة الغنم التي هي الماشية ثم صار علماً على كل ما ظفر به المجاهدون من أموال الكفار قسراً بالحرب وإعلاء كلمة الله.
حَلَالًا طَيِّبًا: الحلال نقيض الحرام، والحل هو الفك ورفع الحظر والعقدة. والطيب ما طاب حساً ومعنى فكان مستلذاً مباحاً لا خبيثاً ولا دَنساً ولا شبهة فيه تشوبه.
الإعراب التفصيلي:
فَكُلُوا: الفاء فصيحة رابطة لجواب مقدر، أو عاطفة، كلوا: فعل أمر مبني على حذف النون، وواو الجماعة ضمير متصل في محل رفع فاعل.
مِمَّا: من حرف جر، وما: اسم موصول مبني في محل جر بـ من، والجار والمجرور متعلق بالفعل كلوا، أو من للتبعيض.
غَنِمْتُمْ: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بضمير الرفع المتحرك، والتاء ضمير فاعل، والميم للجمع، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
حَلَالًا: مفعول به لـ كلوا إذا كانت من بيانية، أو حال من العائد المحذوف (أي: كلوا الذي غنمتموه حال كونه حلالاً)، أو مفعول مطلق نائب عن المصدر (أي: أكلاً حلالاً).
طَيِّبًا: نعت لـ حلالاً منصوب بالفتحة الظاهرة.
وَاتَّقُوا اللَّهَ: الواو عاطفة، اتقوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، ولفظ الجلالة مفعول به منصوب.
إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ: إن واسمها، وغفور رحيم خبران لـ إن مرفوعان بالضمة الظاهرة.
توجيه القراءات:
أجمع القراء العشرة على قراءة الآية الكريمة بألفاظها المتواترة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية واتصالها: جاءت هذه الآية بعد آية العتاب المشددة {لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}، لتحدث توازناً نفسياً وتشريعياً هائلاً؛ فنقلت قلوب المؤمنين من دائرة الفزع والوجل والخشية من العقوبة إلى فضاء الطمأنينة والإباحة والرحمة، مما يدل على أن العتاب كان لتربية النفوس وضبط المقاصد لا لعقوبة الاستئصال.
التناسب مع التقوى ومغفرة الله: اقتران الإباحة بالأمر بالتقوى {وَاتَّقُوا اللَّهَ} حراسة للتشريع؛ لئلا يسترسل المجاهد في حب الغنيمة فيتحول القتال من سبيل الله إلى طلب المغنم، ثم ختمت الآية باسمي {غَفُورٌ رَّحِيمٌ} لتمحو أثر العتاب وتفتح باب المغفرة لما سلف من ميل نفوسهم للفداء.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التناقض بين العتاب السابق والإباحة الحالية:
يزعم بعض الطاعنين أن الآية السابقة توعدت بالعذاب العظيم على أخذ الفداء والغنيمة، ثم جاءت هذه الآية لتبيح الأكل منها، متوهمين وجود تناقض أو تراجع في الحكم.
الرد والتحقيق المحكم: العتاب في الآية السابقة لم يكن منصباً على ذات الغنيمة، بل على "التوقيت" و"تقديم الأسر والفداء قبل الإثخان وتوطيد أركان الدولة الإسلامية الوليدة"، فلما استقر التشريع الإلهي وسبق في علم الله وقضائه إحلال الغنائم لهذه الأمة المرحومة، أزاح الله عنهم الحرج والوجل ورخص لهم في أخذها وأكلها؛ فالعتاب كان تربوياً للأولويات، والترخيص هنا بيان للحكم الشرعي المستقر، وهو غاية الحكمة في التدرج والتربية.
شبهة القتال من أجل المغانم:
إباحة الغنائم جعلت المغرضين يزعمون أن الإسلام يدعو إلى الغزو لتحصيل الثروات.
الرد: القرآن شدد في مطلع السورة على أن {الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ ۖ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ}، وجعل الغنيمة فضلاً تبعياً لا مقصداً أصلياً؛ بل قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الرجل يقاتل للمغنم: «مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ» (صحيح البخاري، رقم: 123)صحيح البخاريالبخاريحديث رقم ١٢٣. والتقييد بـ {حَلَالًا طَيِّبًا} والأمر بـ {وَاتَّقُوا اللَّهَ} يقطع دابر أي استغلال دنيوي للجهاد.
التعبير بالأكل عن مطلق الانتفاع: استعمال {فَكُلُوا} مجاز مرسل علاقته الجزئية أو الإطلاق؛ لأن الأكل هو المظهر الألصق بحاجة الإنسان والأبلغ في استقرار الملك وحصول المنفعة.
الجمع بين الحلال والطيب: {حَلَالًا طَيِّبًا}، فالحلال وصف حكمي شرعي يرفع الإثم، والطيب وصف نوعي ذاتي ينفي الخبث والدنس والضرر؛ فالمال قد يكون حلالاً في أصله لكنه تعتريه كراهة أو خسة، فأكد النص أنه حلال في الشرع، طيب في الطبع والبركة.
التذييل المؤكد: قوله {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} استعطاف وجبر لقلوب الصحابة بعد شدة الخوف التي أحدثتها آية العتاب، وفي تقديم المغفرة على الرحمة محو للذنب والتقصير أولاً، ثم إفاضة الإحسان ثانياً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوازن بين المادة والروح في التربية القرآنية: لا يحرم الإسلام المؤمنين من ثمار جهادهم ومكاسبهم الدنيوية الحلال، لكنه يربط قلوبهم دائماً بالتقوى لئلا تطغى المادة على روحانية الهدف.
أدب المعاتبة النبوية والربانية: المؤمن الحق يتلقى العتاب بوجل، فإذا فتح الله له أبواب التيسير والرخصة قابلها بالشكر والاستغفار والالتزام التام بالحدود الشرعية.