تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 398)جامع البيانالطبري١٣/٣٩٨: يروي الطبري عن مجاهد والسدي وقتادة ومحمد بن إسحاق: أن هذا الجدال وقع حين شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في لقاء قريش بعد أن أفلتت العير وقدم النفير؛ فقال بعضهم: يا رسول الله، ما خرجنا إلا للعير ولم نتهيأ للقتال، ولا طاقة لنا بلقاء النفير؛ فجادلوا كراهيةً للقتال وخوفاً من مواجهة جيش مكة بكامل عدته؛ فأنكر الله عليهم هذا الجدال بعد أن تبين لهم صدق وعد الله بالنصر في إحدى الطائفتين على لسان نبيه الصادق الأمين.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 13)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/١٣: يوضح ابن كثير تصوير الآية لحال هذا الفريق: {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ}؛ أي من شدة هول المفاجأة وخوف القتال غير المتوقع، كأنهم يُدفعون إلى حتفهم ومصارعهم عياناً لعدم تأهبهم العسكري الحسي؛ وهذا تصوير نفسي بليغ لرهبة الموقف ومباغتته للنفوس.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يُجَادِلُونَكَ}: الجدال في اللغة مأخوذ من جدلت الحبل إذا أحكمت فتله؛ وجادل فلاناً إذا نازعه بالقول والحجة ليدفع قوله ويثبت قوله.
{تَبَيَّنَ}: وضح وظهر انكشافاً تاماً؛ والمراد تبين أن القتال أمر الله وقضاؤه وأن النصر حليفهم.
{يُسَاقُونَ}: من السوق وهو حث الكائن ودفعه من خلفه إلى وجهة ما؛ وبني للمجهول للإشعار بشدة الإلجاء والاضطرار.
الإعراب والتركيب:
{يُجَادِلُونَكَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو ضمير فاعل يعود على الفريق، والكاف مفعول به.
{فِي الْحَقِّ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يجادلونك).
{بَعْدَمَا}: بعد ظرف زمان منصوب متعلق بـ (يجادلونك)، (ما) مصدرية، والمصدر المؤول مضاف إليه لـ (بعد).
{تَبَيَّنَ}: فعل ماض مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على الحق أو الأمر.
{كَأَنَّمَا}: كافة ومكفوفة أداة تشبيه تفيد التمثيل الصوري.
{يُسَاقُونَ}: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بثبوت النون، والواو نائب فاعل، والجملة في محل نصب حال من فاعل يجادلونك.
{إِلَى الْمَوْتِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (يساقون).
{وَهُمْ}: الواو واو الحال، هم ضمير منفصل مبتدأ.
{يَنظُرُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر هم، والجملة الاسمية في محل نصب حال ثانية مؤكدة.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون خلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
يصف القرآن بدقة متناهية مسار الحوار الداخلي في معسكر النبوة قبل بدر: من كراهة الخروج لملاقاة العدو المسلح، إلى مراجعة النبي صلى الله عليه وسلم ومجادلته في جدوى القتال بغير عدة، وتصوير مشاعرهم النفسية المتقلبة في تلك اللحظة الحرجة؛ ليكون نصر بدر بعد هذا الضعف والاضطراب معجزة ربانية خالصة لا دخل فيها لحول البشر ولا قوتهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة المماراة والجدال المذموم المنسوب للصحابة:
كيف يجادل الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحق بعدما تبين؟!
الدفع والتحرير التفسيري عند المحققين:
لم يكن جدالهم طعناً في نبوته صلى الله عليه وسلم ولا رداً لأمر رباني جازم، بل كان مراجعة استشارية وبحثاً عن مخرج؛ ظناً منهم أن الأمر فيه سعة للاختيار والرجوع إلى المدينة لتجهيز الجيش؛ فلما تبين لهم عزم رسول الله صلى الله عليه وسلم واستقراره على المضي قدماً نزلوا جميعاً على أمره وتنافسوا في البذل والقتال حتى أبهروا التاريخ؛ فالجدال كان في مرحلة المشاورة والمفاجأة قبل الاستقرار العسكري.
التشبيه التمثيلي البديع: {كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ}؛ شبه حالتهم النفسية في كراهة ملاقاة الجيش بحال من يُساق إلى حبل المشنقة أو الذبح وهو ينظر إلى وسيلة قتله لا يستطيع دفعها؛ وهو غاية ما يصل إليه التصوير البلاغي في تجسيد الرعب والرهبة الطبيعية.
الجملة الحالية {وَهُمْ يَنظُرُونَ}: زادت التشبيه هولاً؛ فإن المحكوم عليه بالموت إذا قيد وسيق وهو مغمض العينين أخف وطأة ممن يساق وهو يرى بأم عينيه أسباب الهلاك تتربص به.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قوة الإيمان تقهر الخوف البشري: أعظم انتصار يحققه المؤمن هو انتصاره على خوفه الداخلي؛ فالصحابة الذين صور القرآن فزعهم الطبيعي هم أنفسهم الذين صمدوا في بدر وقلبوا موازين التاريخ حين استعلت عقيدتهم على خوفهم.
بركة الشورى والقيادة النبوية: مع وضوح الحق للنبي صلى الله عليه وسلم بالوحي، إلا أنه مارس الشورى مع أصحابه وسمع مراجعاتهم، ليربيهم على تحمل المسؤولية ومواجهة الأزمات بشجاعة.