أسباب النزول ومرويات الباب: أخرج البخاري في صحيحه (رقم: 4018)مصدر غير محددحديث رقم ٤٠١٨ عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجالاً من الأنصار استأذنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا عباس فداءه، فقال: «لَا وَاللَّهِ لَا تَذَرُونَ مِنْهُ دِرْهَمًا». وأخرج الحاكم في المستدرك (جـ 3، ص 324)مصدر غير محدد٣/٣٢٤ وابن إسحاق في السيرة أن العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه قال: فيّ نزلت هذه الآية حين أسر يوم بدر وطلب منه النبي صلى الله عليه وسلم الفداء لنفسه ولابني أخيه عقيل بن أبي طالب ونوفل بن الحارث، فقال العباس: إني كنت مسلماً وإنما استكرهني القوم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أَمَّا ظَاهِرُكَ فَكَانَ عَلَيْنَا، وَأَمَّا سَرِيرَتُكَ فَإِلَى اللَّهِ»، وألزمه بالفداء، فقال العباس: فأعطاني الله مكان العشرين أوقية في الإسلام عشرين عبداً كلهم يتجر بمالي، مع ما أرجو من مغفرة الله تعالى.
أقوال أئمة السلف والتفسير:
قال الطبري (جامع البيان، جـ 14، ص 86)جامع البيانالطبري١٤/٨٦: الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بأن يبين للأسرى المحبوسين في وثاق المسلمين أن مدار العطاء والخلف والمغفرة هو ما تنطوي عليه قلوبهم من صدق الإيمان والإنابة إلى الله، فإن علم الله في قلوبهم خيراً -أي إيماناً وتصديقاً- عوضهم في الدنيا خيراً من الفداء وعفا عنهم في الآخرة.
قال ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، جـ 4، ص 95)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٩٥: هذه الآية وعد إلهي صادق ومنهج دعوي رصين في مخاطبة الأسرى، لاستمالة قلوبهم للهدى والإسلام بدلاً من تركهم في حسرة الهزيمة وضياع المال.
قرر القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، جـ 8، ص 55)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٨/٥٥: تدل الآية على مشروعية أخذ الفداء، وعلى أن الكافر إذا أظهر الإسلام أو الخير عومل بمقتضى ما يبديه وتولى الله سريرته، وأن الله يخلف على من أسلم خيراً مما فاته في الشرك.
ذكر السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 326)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٣٢٦: من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه؛ فالفداء الذي أخذ منهم كرهاً إن أعقبه إسلام وصدق قلب انقلب في حقهم نعمة مضاعفة عاجلة وآجلة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
التحليل المعجمي والاشتقاقي:
فِي أَيْدِيكُم: الأيدي جمع يد، وهي هنا كناية بليغة عن الغلبة والتمكن والوقوع تحت الأسر والقبضة والحوزة السلطانية؛ لأن الآخذ للشيء إنما يقبض عليه بيده.
الْأَسْرَىٰ: جمع أسير، فعلى وزن قتلى، وهو المحبوس والمشدود بالقيد، مأخوذ من الإسار وهو القدّ (الحبل من الجلد) الذي يشد به المقاتل إذا قُهر.
خَيْرًا: الأولى {إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا} تعني الإيمان الصادق، والتوحيد، وحسن النية، والإنابة. والثانية {يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ} تعني الخلف الجزيل والمال الحلال والرفعة في الدارين.
الإعراب التفصيلي:
يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ: يا حرف نداء، أي: منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب، والهاء للتنبيه، النبي: نعت أو بدل مرفوع بالضمة الظاهرة.
قُل: فعل أمر، والفاعل مستتر تقديره أنت.
لِّمَن: اللام جارة، من اسم موصول مبني في محل جر متعلق بـ قل.
فِي أَيْدِيكُم: في حرف جر، أيدي اسم مجرور بكسرة مقدرة، والكاف مضاف إليه، والجار والمجرور صلة الموصول لا محل لها من الإعراب، أو متعلق بمحذوف صلة الموصول تقديره استقر.
مِّنَ الْأَسْرَىٰ: جار ومجرور في محل نصب حال من الضمير المستقر في الصلة أو بيان لـ من.
إِن: حرف شرط جازم.
يَعْلَمِ: فعل مضارع مجزوم بالسكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وهو فعل الشرط.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
فِي قُلُوبِكُمْ: جار ومجرور متعلق بـ يعلم، والكاف مضاف إليه.
خَيْرًا: مفعول به منصوب للفعل يعلم.
يُؤْتِكُمْ: فعل مضارع مجزوم بحذف حرف العلة (الياء) لأنه جواب الشرط، والكاف ضمير متصل مفعول به أول، والميم للجمع.
خَيْرًا: مفعول به ثانٍ منصوب بالفتحة الظاهرة.
مِّمَّا: جار ومجرور متعلق بـ خيراً، وأصله من وما الموصولة.
أُخِذَ: فعل ماض مبني لما لم يُسمَّ فاعله، ونائب الفاعل مستتر يعود على ما، والجملة صلة ما.
مِنكُمْ: جار ومجرور متعلق بـ أخذ.
وَيَغْفِرْ لَكُمْ: الواو عاطفة، يغفر مضارع مجزوم بالعطف على جواب الشرط، ولكم متعلق به.
قرأ الجمهور: {مِّنَ الْأَسْرَىٰ}، وقرأ أبو جعفر وحمزة: {مِنَ الْأَسَارَىٰ} بفتح الهمزة والألف بعد السين على وزن فعالى، وهما لغتان فصيحتان في جمع أسير كسكارى وسكرى.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
موقع الآية من سياق الأسرى والغنائم: بعد أن بينت الآيات السابقة حكم الغنائم وأمرت الصحابة بالأكل منها تقريراً لحلها، التفت السياق إلى الجانب الإنساني والدعوي المقابل: فئة الأسرى المغلوبين الذين سُلبت أموالهم كفداء. فجاءت الآية تفتح لهم باب الأمل وتوجه أنظارهم إلى التوبة والإسلام.
بلاغة الانتقال من الخاص إلى التغيير القلبي: لم تعدهم الآية بمجرد رد الأموال، بل علقت الخلف الجزيل على شرط باطن قلبي {إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا}، لتربيتهم على أن المعيار عند الله ليس المظهر ولا الضغط المادي، بل نقاء العقيدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة إكراه الأسرى على الإسلام بالوعود المالية:
يزعم بعض المستشرقين أن الآية تستخدم الترغيب المادي لشراء عقائد الأسرى وإغرائهم بالدخول في الإسلام.
الرد والتفنيد العقلي:
لو كان المقصد مجرد شراء العقائد لأُعطوا المال مسبقاً قبل إسلامهم أو أُسقط عنهم الفداء في حينه؛ بل إن الفداء أُخذ منهم كاملاً حتى لا يستسهل الكافرون حرب الإسلام، مما يثبت صرامة القانون العسكري الإسلامي.
الوعد بالخلف عُلق صراحة على "علم الله بما في قلوبهم من خير" {إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا}، والله لا تخفى عليه خافية ولا تنطلي عليه المنافقة؛ فالمقصود إحداث تحول عقدي باطن مخلص لله، وليس مجرد تصنع كلامي لنيل المال.
ما ناله العباس وغيره تاريخياً من البركة والفتوح والخلف كان ثمرة تصديقهم وإخلاصهم الصادق بعد إسلامهم واندماجهم في الأمة المجاهدة.
الكناية في قوله {فِي أَيْدِيكُم}: كناية عن الخضوع للأسر والاستسلام التام للغلبة الإسلامية، وإسناد اليد للمؤمنين تشريف لهم وإشعار بأنهم صاروا أصحاب اليد العليا بعد أن كانوا مستضعفين بمكة.
التنكير المفيد للتعظيم والتكثير: تنكير {خَيْرًا} الأولى ليعم كل عمل صالح وتوحيد وندم، وتنكير {خَيْرًا} الثانية ليعظم قدر العطاء الإلهي في الدنيا والآخرة؛ فلا يقتصر على مجرد استرداد قدر الفداء، بل أضعاف مضاعفة من الهداية وسعة الرزق والرضوان.
الجناس والطباق المقابلي: بين ما {أُخِذَ مِنكُمْ} في الماضي من مال حقير فداءً للدنيا، وبين ما {يُؤْتِكُمْ} الله في المستقبل من خيرات وبركات باقية، وفي ذلك دلالة على سعة فضل الله وأنه لا يضيع صادقاً أبداً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الدعوة في أحلك الظروف: تعلّم الآية الدعاة أن الأسير والمغلوب والخصم يجب أن يُفتح أمامه باب الرجاء والرحمة، وألا يُعامل بانتقام أو احتقار، بل تُرغب نفسه في النور والهداية.
العبرة بما في القلوب: صلاح القلب هو المحور الوحيد لاستجلاب فضل الله وخيراته، فمتى ما طهر العبد سريرته وأخلص النية، غمرته ألطاف الله بالخلف العظيم والمغفرة التامة.