صحيح مسلم (كتاب الإمارة، باب فضل الرمي والحث عليه، حديث رقم 1917)مصدر غير محددحديث رقم ١٩١٧: روى الإمام مسلم عن عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر يقول: «{وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ}؛ ألا إن القوة الرمي! ألا إن القوة الرمي! ألا إن القوة الرمي!».
صحيح البخاري ومسلم (عن أبي هريرة رضي الله عنه): أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة: الأجر والمغنم»؛ وفي الصحيحين: «من احتبس فرساً في سبيل الله إيماناً بالله وتصديقاً بوعده، فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة».
تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 604)جامع البيانالطبري١٣/٦٠٤: يروي الطبري عن مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: أن الله تعالى يوجب على الأمة الإسلامية إعداد أقصى ما تبلغه طاقتهم وقدرتهم من أسباب القوة العسكرية والتسليح والعتاد والحصون والتدريب، ورباط الخيل للجهاد؛ لغاية استراتيجية كبرى: {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} من مشركي مكة وقريش، {وَآخَرِينَ مِن دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ}؛ قال مجاهد والسدي: هم بنو قريظة وبنو قينقاع ويهود المدينة؛ وقال قتادة: هم المنافقون؛ وقال السدي: هم فارس والروم؛ وقيل: كفار الجن؛ واللفظ عام في كل عدو كامن ترهبه قوة الأمة وجاهزيتها.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 82)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٨٢: يوضح ابن كثير أن الآية هي الأساس في مشروعية بناء القوة الذاتية للأمة الإسلامية؛ والترهيب هنا هو "الردع الدفاعي" الذي يمنع وقوع الحرب أصلاً بفضل هيبة السلاح؛ ثم رغب في التمويل المالي لهذا الإعداد: {وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ} بلا نقص ولا ظلم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{وَأَعِدُّوا}: الإعداد هو تهيئة الشيء وتجهيزه وإحضاره قبل وقت الحاجة إليه لمواجهة الطوارئ.
{قُوَّةٍ}: لفظ عام نكرة يشمل كل ما يتقوى به في الحرب من سلاح حديث، ورمي، وتدريب، وحصون، وعتاد، واقتصاد، وإعلام.
{رِّبَاطِ الْخَيْلِ}: الرباط حبس الخيل في سبيل الله وربطها في الثغور؛ والرابطة الملازمة في موطن الحذر.
{تُرْهِبُونَ}: الإرهاب هنا إلقاء الرهبة والمهابة والفزع في قلوب الأعداء لمنعهم من العدوان؛ من رَهِبَ يَرْهَبُ رَهْباً.
{يُوَفَّ}: التوفية إعطاء الشيء كاملاً وافياً تاماً بلا بخس.
الإعراب والتركيب:
{وَأَعِدُّوا}: الواو عاطفة أو استئنافية، أعدوا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{لَهُم}: متعلقان بـ (أعدوا).
{مَّا}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (أعدوا).
{اسْتَطَعْتُم}: فعل ماض والتاء فاعل والميم علامة الجمع، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{مِّن قُوَّةٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف بيان لـ (ما) أو حال منها.
{وَمِن رِّبَاطِ}: معطوف مجرور وهو مضاف.
{الْخَيْلِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{تُرْهِبُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل نصب حال من فاعل أعدوا، أو بدل اشتمال، أو تعليلية في موضع المفعول لأجله.
{بِهِ}: متعلقان بـ (ترهبون).
{عَدُوَّ}: مفعول به منصوب وهو مضاف.
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور.
{وَعَدُوَّكُمْ}: معطوف منصوب والكاف مضاف إليه.
{وَآخَرِينَ}: معطوف منصوب بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
{مِن دُونِهِمْ}: متعلقان بمحذوف نعت لـ (آخرين).
{لَا}: نافية.
{تَعْلَمُونَهُمُ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل والهاء مفعول به، والجملة في محل نصب نعت ثانٍ لـ (آخرين).
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع.
{يَعْلَمُهُمْ}: خبر المبتدأ، والجملة الاسمية استئنافية أو حالية.
{وَمَا}: الواو استئنافية، (ما) اسم شرط جازم مبني في محل نصب مفعول به مقدم لـ (تنفقوا).
{تُنفِقُوا}: فعل مضارع مجزوم فعل الشرط بحذف النون والواو فاعل.
{مِّن شَيْءٍ}: متعلقان بمحذوف بيان لـ (ما).
{فِي سَبِيلِ}: متعلقان بـ (تنفقوا).
{اللَّهِ}: مضاف إليه مجرور.
{يُوَفَّ}: فعل مضارع مبني للمجهول مجزوم جواب الشرط بحذف حرف العلة (الألف)، ونائب الفاعل مستتر تقديره هو يعود على الجزاء أو ما تنفقوا.
"الإرهاب" في المصطلح القرآني هو المصطلح العلمي الدقيق الذي تسميه كل القوانين العسكرية الدولية المعاصرة بـ (الردع العسكري الاستراتيجي)؛ فالأمة التي تملك السلاح القوي الرادع والجاهزية العالية تملأ قلوب الأعداء هيبة ورهبة تمنعهم من شن الحروب أو التعدي على حقوقها أو اضطهاد المستضعفين؛ فالترهيب هنا وسيلة لحفظ السلم العالمي وحماية حوزة الدولة، وليس للاعتداء على المدنيين؛ والآية التي تليها مباشرة تأمر بالسلم: {وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا}.
تفسير النبي صلى الله عليه وسلم للقوة بالرمي: «ألا إن القوة الرمي» إعجاز نبوي فائق؛ فالرمي هو روح كل سلاح حديث في العصور كلها (من السهام والمنجنيق، إلى الرصاص والمدافع، والصواريخ العابرة للقارات، والطائرات المسيرة، والأقمار الصناعية)؛ فكلها تندرج تحت عموم "الرمي" النبوي والقوة القرآنية.
التنكير في {مِّن قُوَّةٍ}: تنكير شمول واستغراق؛ يشمل القوة العسكرية، والقوة الاقتصادية، والقوة التقنية، والقوة المعنوية، ووحدة الصف؛ فكل ما يمنح الأمة منعة وهيبة يدخل تحت هذا الأمر الإلهي الواجب.
التخصيص بعد التعميم في {وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ}: عطف رباط الخيل على القوة تخصيص بعد تعميم لأهميتها القصوى في المناورة والحرب في ذلك العصر، وبقاء أصلها في الجاهزية الدائمة إلى يوم القيامة.
وصف العدو بـ {عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ}: لبيان أن العداوة معهم ليست عداوة شخصية ولا ثأراً عرقياً، بل لأنهم عادوا شريعة الله وصدوا عن دينه؛ فكانت مواجهتهم عبادة وقربة إلى الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فريضة إعداد القوة والتفوق العلمي: على الأمة الإسلامية أن تستفرغ وسعها في امتلاك أحدث العلوم والتقنيات العسكرية والصناعية والاكتفاء الذاتي؛ فإن الضعف خيانة للأمانة، والأمة الضعيفة مطمع لكل معتدٍ.
الإنفاق في تجهيز الجيوش وتأمين الأوطان: كل درهم ودينار يُنفق في تقوية دفاعات المسلمين وردع الأعداء هو تجارة رابحة موفاة الأجر عند الله يوم القيامة: {يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لَا تُظْلَمُونَ}.