تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 594)جامع البيانالطبري١٣/٥٩٤: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك والسدي: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ}: أي إن تظفر بهم وتأسرهم وتتمكن منهم في القتال والميدان؛ {فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}: أي نكّل بهم تنكيلاً صارماً يبلغ من خلفهم من قبائل العدو وبقايا الخونة، حتى يخافوا ويفزعوا ويهربوا ويتفرق جمعهم؛ قال قتادة: "أنزل بهم من العقوبة والقتل ما يفرّق به جمع من وراءهم فلا يجترئ أحد بعدهم على نقض العهد"؛ {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ} أي لعل من خلفهم يتعظون وينزجرون عن مثل صنيعهم فيفوا بالعهود.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 79)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٧٩: يوضح ابن كثير أن هذا أصل عظيم في "الردع العسكري الاستراتيجي"؛ فناقض العهد والمحارب الغادر لا تجدي معه الملاينة، بل يجب إنزال أقسى العقوبة به ليكون عبرة لمن وراءه؛ فترهب بقية الجبهات المعادية وتكف عن الغدر والتآمر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{تَثْقَفَنَّهُمْ}: الثَّقْف في الأصل الحذق والظفر بالشيء ومصادفته وإدراكه بمهارة؛ ثقفه إذا ظفر به وأسره وتمكن منه بقوة وسرعة.
{فَشَرِّدْ بِهِم}: التشريد هو التفريق والتطويح بالشيء في الآفاق؛ شرد به إذا نكّل به وأذاع خزيه وعقابه حتى يخاف غيره ويتفرق شملهم.
{يَذَّكَّرُونَ}: يتعظون وينزجرون ويعتبرون بما حل بهؤلاء.
الإعراب والتركيب:
{فَإِمَّا}: الفاء استئنافية، (إن) حرف شرط جازم، (ما) زائدة للتوكيد.
{تَثْقَفَنَّهُمْ}: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم فعل الشرط، والفاعل مستتر تقديره أنت، والهاء مفعول به والميم علامة الجمع.
{فِي الْحَرْبِ}: متعلقان بـ (تثقفنهم).
{فَشَرِّدْ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، شرد فعل أمر مبني على السكون والفاعل مستتر تقديره أنت.
{بِهِم}: متعلقان بـ (شرد)، والباء للسببية أو الملابسة (أي اجعلهم عبرة منكلين بها).
{مَّنْ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به لـ (شرد).
{خَلْفَهُمْ}: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول والهاء مضاف إليه.
{لَعَلَّهُمْ}: لعل واسمها.
{يَذَّكَّرُونَ}: خبر لعل، والجملة تعليلية لا محل لها.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النقلة العملية الصارمة من تشخيص الجريمة إلى العقوبة الرادعة:
شخص في الآية السابقة جريمة نقض العهد في كل مرة.
وأصدر في هذه الآية الأمر العسكري للقيادة النبوية بكيفية التعامل معهم عند الظفر بهم في الحرب: {فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}.
ثم بيّن الغاية الأخلاقية من هذه الصرامة: {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}؛ فالشدة هنا وسيلة لمنع نزيف الدماء في المستقبل وحفظ الأمن العام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة القسوة في التشريد والتنكيل بناقضي العهد:
هل يتنافى الأمر بالتشريد والتنكيل مع سماحة الإسلام ورحمته؟
الدفع والمحاكمة العسكرية والحقوقية الرصينة:
الرحمة في موضعها عدل، واللين في موضع الحزم خرق وهلاك؛ فإذا تساهلت الدولة مع ناقضي العهود والخونة الذين يهددون إبادة المجتمع وفتح الثغور للأعداء، فإن ذلك يجرئ كل طامع على الغدر فتسيل أنهار من دماء الأبرياء.
فالتنكيل بناقضي العهد الغادرين في ساحة الحرب هو "إجراء وقائي ردعي حاسم" يحقن دماء آلاف البشر لاحقاً؛ فإذا رأى من خلفهم مصير الغدر ارتدعوا ولزموا السلم والوفاء؛ فكانت هذه الصرامة هي عين الرحمة بالمجتمع الإنساني كله: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ}.
التوكيد بالنون الثقيلة {تَثْقَفَنَّهُمْ}: للدلالة على الترصد واليقظة والجاهزية التامة؛ فإذا حانت فرصة التمكن الميداني وجب الحزم دون تردد.
الإيجاز الإعجازي في {فَشَرِّدْ بِهِم مَّنْ خَلْفَهُمْ}: كلمة واحدة جمعت فنون الردع والضربات الوقائية والتأثير النفسي على الجيوش والقبائل المتربصة في الخلفية الإقليمية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قواعد الردع العسكري: الأمة القوية هي التي تملك القدرة على ردع الخونة والمتربصين؛ والصرامة في تطبيق القوانين العسكرية على ناقضي العهود صمام أمان للدولة.
الهدف من العقوبة هو الاعتبار {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ}: العقوبة في الإسلام ليست للتشفي والانتقام السادي، بل لقطع دابر الجريمة وزجر المعتدين وإعادة التوازن للمجتمع.