تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 637)جامع البيانالطبري١٣/٦٣٧: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والحسن البصري والسدي وابن زيد في معنى {كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ} عدة أقوال جامعة لأئمة السلف:
القول الأول: لولا قضاء من الله سبق في اللوح المحفوظ بأنه قد أحل الغنائم والفداء لهذه الأمة المحمدية (وإن لم يكن قد بينه لهم قبل بدر صريحاً).
القول الثاني: لولا كتاب سبق من الله ألا يعذب أحداً أخطأ باجتهاد أو فعل شيئاً بغير نهي سابق منه؛ كما قال تعالى: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولًا}.
القول الثالث: لولا كتاب سبق في علمه لأهل بدر بالمغفرة والرضوان التام؛ كما ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم!».
فبسبب هذا الكتاب والقضاء السابق درأ الله عنهم العذاب العظيم، وعفا عن أخذهم للفداء، وأحل لهم ما أخذوه طيباً حلالاً في الآية التي تليها مباشرة: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 91)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٩١: يؤكد ابن كثير أن هذه الآية كشفت لطف الله ورحمته السابغة بأهل بدر؛ فلولا هذه الأقدار السابقة لمسهم بسبب أخذ الفداء قبل الإثخان عذاب عظيم؛ ولكن فضل الله ورحمته ومغفرته لأهل بدر غلبت وسبقت.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{كِتَابٌ}: الكتاب هنا القضاء والحكم والمشيئة المكتوبة المثبتة في اللوح المحفوظ؛ من كَتَبَ إذا أوجب وقضى وأبرم.
{سَبَقَ}: تقدم في علمه وقضائه الأزلي قبل خلق السماوات والأرض.
{لَمَسَّكُمْ}: المس الإصابة المباشرة بالبلاء والشدة؛ واللام واقعة في جواب لولا.
الإعراب والتركيب:
{لَّوْلَا}: حرف امتناع لوجود شرط غير جازم.
{كِتَابٌ}: مبتدأ مرفوع بالضمة، وخبره محذوف وجوباً تقديره: موجود أو كائن.
{مِّنَ اللَّهِ}: متعلقان بمحذوف نعت لـ (كتاب).
{سَبَقَ}: فعل ماض مبني على الفتح والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع نعت ثانٍ لـ (كتاب).
{لَمَسَّكُمْ}: اللام واقعة في جواب لولا، مسّ فعل ماض مبني على الفتح، والكاف مفعول به والميم علامة الجمع.
{فِيمَا}: جار ومجرور متعلقان بـ (مسكم) أو بـ (عذاب).
{أَخَذْتُمْ}: فعل ماض والتاء فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها (أي في الذي أخذتموه من الفداء).
{عَظِيمٌ}: نعت لـ (عذاب) مرفوع بالضمة، وجملة لمسكم جواب لولا لا محل لها.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
غاية التلطف والعفو والاحتواء الرباني:
بعد أن بلغ العتاب ذروته الصادمة في الآية السابقة: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا}.
جاءت هذه الآية كبلسم حانٍ يدرأ الهلاك ويبين حبل النجاة: {لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ}.
ثم إتباع ذلك فوراً بالترخيص والإحلال القطعي في الآية اللاحقة: {فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا}؛ لترتفع عن قلوبهم سحائب الحزن والخوف ويستقروا في واحة الرضا والامتنان.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة معاقبة المجتهد على خطئه:
كيف يقال: {لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ} والمجتهد معذور ومأجور في الشريعة؟
الدفع والمحاكمة الأصولية الرصينة:
هذا من باب التنبيه على "عظم مفسدة العمل في ذاته لو عوملوا بمقتضى العدل المجرد"، لولا سابغة الرحمة والمغفرة؛ فالاجتهاد الذي يقع من الصالحين قد يخالف الأكمل في حكمة التدبير الإلهي، فيأتي العتاب القرآني لتهذيب النفوس وصقلها حتى لا تستمر في مثل هذا المسلك؛ ونفي العذاب بـ {لَّوْلَا} برهان قطعي على أنهم لم يعذبوا وأن الخطأ مغفور ومرفوع؛ وفي الحديث الصحيح: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد».
أسلوب الامتناع بـ {لَّوْلَا}: امتناع وقوع العذاب لوجود الكتاب السابق؛ دلالة على هيمنة الرحمة الإلهية وسابقتها لغضبه: «إن رحمتي سبقت غضبي».
التنكير في {كِتَابٌ} و{عَذَابٌ عَظِيمٌ}: تنكير "كتاب" للتعظيم والتبجيل لحكم الله وأقداره؛ وتنكير "عذاب عظيم" للتهويل والترهيب من مخالفة الأولى في مواطن النصر.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
فضل أهل بدر ومكانتهم العلية: كرامة أهل بدر عند الله لا تدانيها كرامة؛ فبسبب شهودهم بدراً غفر الله لهم وعفا عن زلتهم ورفع درجاتهم في الصالحين.
تدارك الله لعباده بالرحمة والستر: كم من ورطة وزلة يقع فيها العبد لقصور نظره فيتداركه الله بلطفه وكتابه السابق فيصرف عنه العذاب ويفتح له أبواب العفو والغفران.