تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 444)جامع البيانالطبري١٣/٤٤٤: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد: أن المعنى: ذلكم النصر والفتح والبلاء الحسن الذي عاينتموه هو قضاء الله لكم، واعلموا مع ذلك أن سنة الله الماضية هي توهين كيد الكافرين وإضعافه وإحباط مكائدهم ومؤامراتهم في بدر وفي كل موطن؛ فلن يفلح كيدهم ولن تقوم لهم قائمة أمام الحق.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 29)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٢٩: يوضح ابن كثير أن هذه بشارة ربانية مستمرة للمؤمنين؛ فكما نصرهم الله ببدر وأوهن كيد قريش وأبطل مكرهم، فكذلك دأب الله في كل معركة وصراع بين الإيمان والكفر؛ يجعل كيد الكافرين في نحورهم ويورثهم التباب والخسران.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{مُوهِنُ}: اسم فاعل من أَوْهَنَ رباعياً، أو من وَهَنَ؛ والوهن هو الضعف والنقص والعجز في القوة والتدبير؛ وتوهين الكيد تصييره واهياً ضعيفاً لا أثر له ولا نفاذ.
{كَيْدِ}: الكيد هو المكر والتدبير الخفي للإضرار بالغير وإيقاعه في الهلاك؛ وكيد الكافرين تدبيرهم وجموعهم لمحاربة الإسلام.
الإعراب والتركيب:
{ذَٰلِكُمْ}: اسم إشارة مبني في محل رفع مبتدأ وخبره محذوف (أي: الأمر ذلكم)، أو في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف.
{وَأَنَّ}: الواو عاطفة، أنّ حرف توكيد ونصب.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة اسم أنّ منصوب بالفتحة.
{مُوهِنُ}: خبر أنّ مرفوع بالضمة وهو مضاف (أو منون).
{كَيْدِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة (أو مفعول به لموهن إذا نُوّن).
{الْكَافِرِينَ}: مضاف إليه مجرور بالياء؛ والمصدر المؤول (وأن الله موهن كيد الكافرين) في محل رفع معطوف على (ذلكم) أو في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره: واعلموا أن الله موهن كيد الكافرين.
القراءات المتواترة:
قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: {مُوهِنُ كَيْدِ} بإسكان الواو وكسر الهاء مخففاً مع إضافة اسم الفاعل لمفعوله وحذف التنوين.
وقرأ حفص عن عاصم: {مُوهِنُ كَيْدِ} بالتخفيف والإضافة أيضاً كقراءة نافع.
وقرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي وخلف العاشر: {مُوَهِّنٌ كَيْدَ} بضم الميم وفتح الواو وتشديد الهاء مكسورة مع التنوين ونصب كيد على المفعولية.
وتوجيه القراءتين:
قراءة التخفيف {مُوهِنُ}: تدل على أصل الوهن وجعل الكيد ضعيفاً.
وقراءة التشديد {مُوَهِّنٌ}: تدل على التكثير والمبالغة الشديدة في تفتيت كيدهم وتمزيق تدابيرهم مرة بعد مرة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
جاءت هذه الآية كقاعدة سننية كلية تختم بها قصة نصر بدر وتفاصيل المعركة؛ لتربط الحادثة الجزئية بالسنة الكونية الدائمة؛ فكأن الله يقول: ما رأيتموه في بدر من خذلان المشركين وهزيمتهم ليس حادثاً عارضاً، بل هو تطبيق لسنة إلهية ثابتة: {وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة استقواء الباطل في بعض الأزمنة:
كيف يكون الله موهن كيد الكافرين ونحن نرى الكفار في بعض العصور يملكون السلاح والتقنية ويدبرون المؤامرات فتنجح في الظاهر؟
الدفع والمحاكمة السننية الرصينة:
توهين الكيد سنة مشروطة بنصرة المؤمنين لدينهم واعتصامهم بربهم وأخذهم بأسباب القوة؛ فإذا قصر المسلمون سلط الله عليهم عدوهم عقوبة وابتلاءً؛ ومع ذلك فإن مآل مكر الكافرين في النهاية إلى التباب والانهيار الذاتي من داخله؛ فالكفر يحمل بذور فنائه وهشاشته في ذاته؛ وكيدهم كبيت العنكبوت مهما بدا متماسكاً فإنه يتهاوى أمام الحق إذا صمد أهله.
التعبير باسم الفاعل {مُوهِنُ} أو صيغة التكثير {مُوَهِّنٌ}: يفيد الثبوت والاستمرار والتجدد؛ فسنة الله في إضعاف مكر الطغاة وإحباط خططهم سنة متجددة لا تتوقف.
الإشارة بـ {ذَٰلِكُمْ}: تنبيه عالي الشأن إلى كل ما سبق من النعم والمعجزات والإمداد والتثبيت والرمي ليبقى حاضراً في أذهان الأجيال.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الأمان النفسي للدعاة: لا ينبغي للمؤمن أن يستبد به القلق من مؤامرات الأعداء وغرف مظلماتهم وخططهم؛ فإن فوق كيدهم تدبير الله القاهر الذي يوهن كل مكر ويجعله هباءً منثوراً: {إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا}.
الثقة بوعد الله: وعد الله بتوهين كيد الكافرين يبعث في الأمة روح التفاؤل والأمل والعمل الدائب لإعلاء راية الحق.