تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 534)جامع البيانالطبري١٣/٥٣٤: يروي الطبري بإسناده عن عبد الله بن عباس ومجاهد وقتادة والزهري والسدي: أن هذه الآية نسخت الإجمال الذي نزل في أول السورة: {قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ}؛ فبين الله تعالى تفصيل قسمة الغنائم؛ فجعل الغنيمة خمسة أخماس متساوية:
أربعة أخماس تُقسم بين المقاتلين الذين حضروا الوقعة: للفارس ثلاثة أسهم (سهمان لفرسه وسهم له) وللراجل سهم واحد بالسوية كما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والخُمس الباقي يُقسم على خمسة أسهم: سهم لله ولرسوله يصرفه في مصالح المسلمين العامة والكراع والسلاح، وسهم لذوي قربى النبي صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني المطلب (الذين حرمت عليهم الصدقة)، وسهم لليتامى الفقراء، وسهم للمساكين من أهل الفاقة، وسهم لابن السبيل المنقطع في سفره.
صحيح البخاري (كتاب فرض الخمس، حديث رقم 3117)مصدر غير محددحديث رقم ٣١١٧: روى البخاري عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: «مشيتُ أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلنا: يا رسول الله، أعطيتَ بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة؟! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد، وشبّك بين أصابعه؛ ولم يقسم رسول الله لبني عبد شمس ولا لبني نوفل شيئاً».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 58)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٥٨: يوضح ابن كثير أن {يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ} هو يوم بدر السابع عشر من شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة؛ سمّاه الله يوم الفرقان لأنه فرّق فيه بين الحق والباطل، وأعز فيه الإسلام وجنده، وأذل فيه الشرك وأهله؛ وجعل التسليم لقسمة الغنائم شرطاً في صحة الإيمان: {إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ وَمَا أَنزَلْنَا عَلَىٰ عَبْدِنَا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{غَنِمْتُم}: الغنم في الأصل الفوز بالشيء والظفر به بلا مشقة؛ والغنيمة في اصطلاح الشرع: المال المأخوذ من الكفار الحربيين بقتال وإيجاف خيل وركاب؛ بخلاف الفيء المأخوذ بغير قتال.
{مِّن شَيْءٍ}: نكرة في سياق الشرط تفيد العموم القطعي؛ أي قليلاً كان المأخوذ أو كثيراً حتى الخيط والمخيط.
{الْفُرْقَانِ}: الفصل والتمييز بين أمرين، ويوم بدر هو يوم الفرقان الأعظم.
الإعراب والتركيب:
{وَاعْلَمُوا}: الواو استئنافية لتشريع الأحكام، اعلموا فعل أمر مبني على حذف النون والواو فاعل.
{أَنَّمَا}: (أنّ) حرف توكيد ونصب، (ما) اسم موصول مبني في محل نصب اسم أنّ؛ أو شرطية.
{غَنِمْتُم}: فعل ماض والتاء فاعل والميم علامة الجمع، والجملة صلة الموصول والعائد محذوف تقديره (غنمتموه).
{مِّن شَيْءٍ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف حال من العائد.
{فَأَنَّ}: الفاء واقعة في جواب شرط مقدر، أنّ حرف توكيد ونصب ومصدرية.
{لِلَّهِ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر أنّ مقدم.
{خُمُسَهُ}: اسم أنّ مؤخر منصوب والهاء مضاف إليه، والمصدر المؤول في محل رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره: فالواجب أن لله خمسه؛ والمصدر المؤول الأول سد مسد مفعولي اعلموا.
{وَلِلرَّسُولِ}: معطوف على لفظ الجلالة مجرور بالكسرة.
{وَلِذِي}: معطوف مجرور بالياء لأنه من الأسماء الخمسة وهو مضاف.
{الْقُرْبَىٰ}: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة للتعذر.
أجمعت القراءات العشر على فتح همزة {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ} على المصدرية بتقدير محذوف؛ وروي كسرها في الشواذ استئنافاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا الموضع هو ذروة التقاطع التشريعي في سورة الأنفال؛ افتُتحت السورة بـ {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِ ۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} على وجه الإجمال لتربية النفوس ونزع حظوظها الفردية، ثم أرجأ الله تفصيل الحكم المالي طيلة أربعين آية كاملة، استعرض فيها التزكية الروحية، ومشاهد نصر بدر، وتثبيت الملائكة، ومصارع الطغاة، ومفاصلة الكفر؛ فلما طهرت القلوب وخلصت النيات لله، جاء هذا التفصيل المالي الدقيق: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}؛ فاستقبلته النفوس بالرضا والامتثال والبركة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
مسألة سهم ذوي القربى ومصرفه بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم:
اختلف الفقهاء في سهم ذوي القربى بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم:
مذهب الشافعي وأحمد بن حنبل: يبقى سهم ذوي القربى ثابتاً مستمراً لفقراء وأغنياء بني هاشم وبني المطلب في كل عصر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاهم بحق النسب والنصرة وعوضاً عن تحريم الصدقة والزكاة عليهم؛ فلا يسقط بوفاته.
مذهب أبي حنيفة ومالك: يرد سهم ذوي القربى إلى مصالح المسلمين أو يقتصر على فقرائهم فقط؛ لأن العطاء كان مرتبطاً بصلة النبي ونصرته حال حياته.
الترجيح الأثري: مذهب الشافعي وأحمد هو الأوفق لظاهر القرآن وإطلاق الآية؛ لأن الله جعلهم قسماً مستقلاً مقروناً بالرسول صلى الله عليه وسلم، وتخصيص بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس ونوفل لحيازتهم شرف النصرة والمواساة في شعب أبي طالب.
البدء بلفظ الجلالة {فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ}: للتبريك والتشريف، ولإعلان أن الملك كله لله وأن ما شرعه هو المحكم؛ وسهم الله وسهم رسوله يصرف في مصالح الأمة العامة.
التنكير في {مِّن شَيْءٍ}: مبالغة في سد منافذ الغلول؛ فحتى الإبرة والخيط والشيء التافه يخمس ولا يحل لأحد كتمانه أو الاستئثار به دون القسمة الشرعية.
تسمية يوم بدر بـ {يَوْمَ الْفُرْقَانِ}: أبلغ وصف قرآني لحدث تاريخي؛ لأنه فرّق بين عهد الاستضعاف والتمكين، وفرّق بين الحق المحض والباطل الزاهق، وفرّق بين حزب الرحمن وحزب الشيطان.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
النزاهة المالية والأمانة في الغنائم والمغانم: التشريع الإسلامي يضع أدق الضوابط للمال العام؛ فلا محاباة فيه لأحد، وتخصيص حقوق اليتامى والمساكين وابن السبيل يضمن التكافل الاجتماعي والتوزيع العادل للثروة في قلب المعركة.
ربط التشريع المالي بعقد الإيمان: قوله {إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ} يقرر أن الالتزام بالأحكام المالية وقسمة الأموال بحسب شرع الله ليس مسألة اقتصادية مجردة، بل هو ركن من أركان الإيمان وامتحان لصدق العقيدة.