تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 568)جامع البيانالطبري١٣/٥٦٨: يروي الطبري بإسناده عن عبد الله بن عباس ومحمد بن إسحاق وعروة بن الزبير ومجاهد والحسن وقتادة والسدي: «أن قريشاً لما أجمعت المسير إلى بدر تذكرت ما بينها وبين بني بكر بن عبد مناة بن كنانة من الحرب والعداوة، فخافوا أن تغدر بهم بنو كنانة من خلفهم وتغير على ديارهم بمكة؛ فتبدى لهم إبليس اللعين في صورة سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي الكناني (وكان من أشراف كنانة وسادتهم) ومعه رايته وجنده من الشياطين، فقال لقريش: لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه! فاطمأنوا وساروا مغرورين؛ فلما تواجه الجيشان ببدر ونزل جبريل عليه السلام بالملائكة الكرام، ورأى إبليس الملائكة تتنزل، وكان آخذاً بيد الحارث بن هشام، نكص إبليس على عقبيه هارباً مدبراً، فقال له الحارث: يا سراقة إلى أين أتخذلنا على هذه الحال؟! فدفع في صدر الحارث فألقاه وانطلق هارباً؛ وقال: {إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ}؛ وألقى نفسه في البحر! فلما رجع فلّ قريش إلى مكة قالوا: هزمنا سراقة بن مالك وخذلنا! فبلغ ذلك سراقة فقال: والله ما علمت بمسيركم حتى بلغني مصابكم ببدر! فتبين أنه كان الشيطان تمثل في صورته».
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 69)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٦٩: يوضح ابن كثير أن تمثل الشيطان لأهل بدر كان فتنة واستدراجاً لهم؛ فغرهم بالأمان الكاذب والدعم الوهمي، فلما عاين جند السماء والملائكة نكص متخاذلاً وتبرأ منهم؛ وهذا هو شأن إبليس مع أوليائه دائماً: يغرهم ويمنيهم حتى يوردهم المهالك ثم يتبرأ منهم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{زَيَّنَ}: التزيين تحسين الشيء وإظهاره في صورة بهيجة مرغوبة بخلاف حقيقته القبيحة.
{جَارٌ لَّكُمْ}: الجار في كلام العرب هو المجير الذي يحمي المستجير ويمنعه من الأعداء وينصره؛ من الجوار والحماية.
{تَرَاءَتِ}: تقابلت وتراءت بالعيون بحيث يرى كل فريق الآخر؛ تفاعلت من الرؤية.
{نَكَصَ}: النكوص هو الرجوع إلى الخلف والفرار قهقرى؛ نكص على عقبيه إذا ولى مدبراً هارباً.
الإعراب والتركيب:
{وَإِذْ}: ظرف مفعول به لـ (اذكر).
{زَيَّنَ}: فعل ماض مبني على الفتح.
{لَهُمُ}: متعلقان بـ (زين).
{الشَّيْطَانُ}: فاعل مرفوع بالضمة الظاهرة.
{أَعْمَالَهُمْ}: مفعول به منصوب والهاء مضاف إليه.
{وَقَالَ}: معطوف على زين وفاعله مستتر.
{لَا}: نافية للجنس تعمل عمل إن.
{غَالِبَ}: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب.
{لَكُمُ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر لا.
{الْيَوْمَ}: ظرف زمان منصوب متعلق بمحذوف خبر لا.
{مِنَ النَّاسِ}: متعلقان بمحذوف حال من الضمير في لكم، وجملة لا غالب لكم مقول القول في محل نصب.
{وَإِنِّي}: الواو عاطفة، إن حرف توكيد ونصب والياء اسمها.
{جَارٌ}: خبر إن مرفوع بالضمة.
{لَّكُمْ}: متعلقان بـ (جار).
{فَلَمَّا}: الفاء عاطفة، لما ظرفية شرطية حينية.
{تَرَاءَتِ}: فعل ماض والتاء للتأنيث وحركت بالكسر للساكنين.
{الْفِئَتَانِ}: فاعل مرفوع بالألف لأنه مثنى والجملة في محل جر مضاف إليه لـ (لما).
{نَكَصَ}: فعل ماض مبني على الفتح والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة جواب لما لا محل لها.
{عَلَىٰ عَقِبَيْهِ}: جار ومجرور متعلقان بـ (نكص) وعلامة الجر الياء لأنه مثنى والهاء مضاف إليه.
{وَقَالَ}: معطوف على نكص.
{إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ}: إن واسمها وخبرها والجار والمجرور متعلقان بـ (بريء)، والجملة مقول القول.
{إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ}: جملة تعليلية، أرى فعل مضارع ومفعوله صلة ما، وجملة لا ترون صلة لا محل لها.
{إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ}: إن واسمها وجملة أخاف خبرها ولفظ الجلالة مفعول به.
كيف يقول إبليس الكافر الرجيم: {إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ} وهو رأس العصيان؟
الدفع والمحاكمة العقدية والنفسية:
خوف إبليس هنا ليس "خوف إنابة وعبادة وتقوى"، بل هو "خوف عذاب وقهر ورعب حسي فوري"؛ لما عاين جبريل والملائكة الكرام ناصبي أسلحتهم خاف أن يقع فيه القتل المباشر أو يعجل له العذاب قبل يوم الوقت المعلوم؛ فالكافر والفاجر قد يقر بربوبية الله وقدرته ويخاف بطشه الحسي عند معاينته كقول فرعون عند الغرق: {آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ}، وهذا الخوف الاضطراري لا ينفعه إيماناً ولا يخرجه من لعنة الكفر.
وقيل: قال ذلك كذباً ونفاقاً وتخلصاً من المشركين ليفلت بنفسه.
التصوير الحركي في {نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ}: استعارة تمثيلية لحركة التراجع والارتداد السريع على الأعقاب؛ تصوير يفيض بالخيبة والذل والهرب الفاضح.
التأكيد بثلاث جمل مصدرة بـ {إِنِّي}: {إِنِّي بَرِيءٌ}، {إِنِّي أَرَىٰ}، {إِنِّي أَخَافُ}؛ تتابع التوكيدات في كلام إبليس يعكس حالة الذعر الشديد والاضطراب الذي أصابه عند رؤية جند الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
حقيقة الوعود الشيطانية: وعود الباطل وأهل الأهواء سراب خادع؛ يزينون المعصية ويعدون بالنصر والدعم، حتى إذا وقع العبد في شباك المصيبة تخلوا عنه وتبرؤوا منه: {كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكَ} [الحشر: 16].
اليقين بأن جند الله هم الغالبون: مهما استقوى الباطل بحشوده وشياطينه فإنهم يفرون ويرتعدون عند تنزل ملائكة النصر وثبات أهل التوحيد.