تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 455)جامع البيانالطبري١٣/٤٥٥: يروي الطبري عن ابن عباس رضي الله عنهما في سبب نزول الآية: «أنها نزلت في نفر من قريش من بني عبد الدار بن قصي؛ منهم نبتل بن الحارث ونضر بن الحارث وسباع بن عبد العزى، كانوا يقولون: نحن صم بكم عمي عما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، لا نسمعه ولا نتبعه! فقُتل عامتهم ببدر كفاراً، وكان لواء المشركين معهم»؛ ونقل عن قتادة ومجاهد أن الله تعالى يبين أن شر ما دبّ على وجه الأرض عند الله هم الذين صموا عن استماع الحق، وبكموا عن النطق به، وعطلوا عقولهم عن تدبر براهين التوحيد؛ فهم أضل وأحط من البهائم السائمة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 33)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٣٣: يوضح ابن كثير أن البهائم والدواب وإن كانت لا تنطق ولا تعقل عقل تكليف، إلا أنها تهتدي لمصالحها وتعرف ما يضرها وما ينفعها وتسبح بحمد ربها؛ أما هؤلاء الكفار والمنافقون فقد عُطلت حواسهم عما خُلقت له من معرفة الله وتوحيده، فصاروا شر دواب الأرض على الإطلاق؛ كقوله تعالى: {أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [الأعراف: 179].
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{الدَّوَابِّ}: جمع دابّة، وهي كل ما يدبّ ويمشي على وجه الأرض من إنسان وحيوان وحشرات؛ وغلب استعمالها في العرف على البهائم وركائب الدواب.
{الصُّمُّ}: جمع أصم، وهو فاقد حاسة السمع؛ والمراد هنا صمم القلوب عن سماع الحق والإذعان له.
{الْبُكْمُ}: جمع أبكم، وهو الأخرس العاجز عن النطق والكلام أصلاً؛ والمراد هنا الخرس عن قول الحق والنطق بالشهادة.
{لَا يَعْقِلُونَ}: العقل في الأصل الإمساك والربط؛ وعقل الإنسان سمي عقلاً لأنه يعقله ويمنعه من الهلاك وقبائح الأفعال؛ ونفي العقل هنا نفي لانتفاعهم به وتدبرهم للحقائق.
الإعراب والتركيب:
{إِنَّ}: حرف توكيد ونصب.
{شَرَّ}: اسم إن منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة وهو مضاف.
{الدَّوَابِّ}: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة الظاهرة.
{عِندَ}: ظرف مكان منصوب متعلق بمحذوف حال من (شر الدواب) أو متعلق بـ (شر).
{اللَّهِ}: لفظ الجلالة مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{الصُّمُّ}: خبر إن مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
{الْبُكْمُ}: خبر ثانٍ مرفوع، أو نعت لـ (الصم) مرفوع بالضمة.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل رفع نعت لـ (الصم البكم) أو بدل.
{لَا}: حرف نفي.
{يَعْقِلُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تعليل وتقريع صاعق: لما نهى المؤمنين في الآيتين السابقتين عن التولي والتشبه بالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون، بيّن في هذه الآية حقيقة هؤلاء المشبه بهم ومنزلتهم الحقيقية في ميزان الخالق سبحانه؛ فبين أنهم ليسوا بشراً أسوياء، بل هم في قاع الخليقة وأحط أنواع الدواب شراً وقبحاً وخسة؛ لتقشعر قلوب المؤمنين من الاتصاف بأدنى خصلة من خصالهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة تفضيل البهائم والوحوش على الكفار عقلياً:
كيف تكون الدواب التي تفترس وتؤذي خيراً من الإنسان الكافر الذي قد يملك ذكاءً دنيوياً وصناعات؟
الدفع والمحاكمة العقلية والفلسفية الصارمة:
البهائم لم تُعطَ عقلاً تدرك به التكليف، ومع ذلك فهي مطيعة لقوانين فطرتها الكونية، وتسبح بحمد خالقها، ولا تعصي أمراً قُدر لها، وتنفع بني آدم؛ أما الإنسان الكافر فقد وُهب أشرف المواهب (العقل، السمع، البصر، الفؤاد) وسُخرت له الكائنات، ثم عطل هذه الجواهر وسخرها لمحاربة خالقه ونشر الفساد والظلم في الأرض؛ فكان إهداره للأمانة واستعماله نعم الله في معصيته موجباً لانحطاطه تحت رتبة البهائم؛ فالشر كل الشر فيمن عقل ثم كفر وعاند.
الاستعارة التصريحية التحقيرية المزدوجة: وصفهم بـ {الصُّمُّ الْبُكْمُ} على سبيل الاستعارة؛ لأن حواسهم صارت كالمعدومة لعدم انتفاعهم بها، فاستحقوا صفة العجز والنقص.
تقييد الحكم بـ {عِندَ اللَّهِ}: لإسقاط المعايير الأرضية الجاهلية؛ فقد يكون هؤلاء الكفار والمنافقون في أعين الناس ذوي جاه ورئاسة ووجاهة وفصاحة لسان كأهل دار الندوة، ولكنهم في ميزان الحق الإلهي المطلق شر الدواب وأحط المخلوقات.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
وظيفة العقل والسمع والنطق: كرامة الإنسان ليست بشكله ولا بنسبه بل بتسخير حواسه لمرضاة ربه؛ فمن وظف سمعه للقرآن ولسانه للحق وعقله للتدبر كان خير البرية، ومن عطلها كان شر الدواب.
الاحتقار النفسي للباطل وأهله: لا ينبغي للمؤمن أن ينبهر بزخرف القوة التكنولوجية أو اللسانية لمن كفر بالله؛ فإنهم دواب صم بكم عمي في ميزان السماء مهما تفاخروا في الأرض.