صحيح مسلم (كتاب الجهاد والسير، باب الإمداد بالملائكة وأسرى بدر، حديث رقم 1763)مصدر غير محددحديث رقم ١٧٦٣: يروي الإمام مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: «لما أسروا الأسارى - يعني يوم بدر - قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، وعسى الله أن يهديهم للإسلام؛ وقال عمر: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر! ولكني أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم؛ فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان - نسيباً لعمر - فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها! فهوي رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلتُ؛ فلما كان من الغد جئتُ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان! فقلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك؟! فإن وجدت بكاءً بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبكي للذي عرض عليّ أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عُرض عليّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة! وأنزل الله عز وجل: {مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}».
تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 630)جامع البيانالطبري١٣/٦٣٠: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي: أن هذا عتاب رباني مهيب للمسلمين في أخذ الفداء من أسرى بدر؛ لأن بدراً كانت أول معركة فاصلة لإرساء هيبة الدولة، وكان المطلوب فيها إرهاب الشرك واستئصال قادته وسفك دماء الطغاة حتى تثبت شوكة الإسلام؛ فأخذهم الفداء كان ميلاً لعرض الدنيا قبل استقرار هيبة الدين؛ فوافق الوحي رأي عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أَسْرَىٰ}: جمع أسير، وهو المقاتل المأخوذ في الحرب مقيداً بالقدّ والإسار؛ وسمي أسيراً لأنه كان يشد بالإسار (وهو القِدّ والحبل من الجلد).
{يُثْخِنَ}: الإثخان هو المبالغة في القتل وقهر العدو وكسر شوكته حتى يثخن بالأرض ويثقل عن الحركة؛ من الشيء الثخين الغليظ الصقيل؛ وأثخن في العدو إذا أوقع به القتل الفظيع الرادع.
{عَرَضَ الدُّنْيَا}: العَرَض هو الشيء الزائل السريع الفناء الذي يعرض ثم يزول؛ وأطلق على أموال الفداء عرضاً تحقيراً لشأنها.
الإعراب والتركيب:
{مَا}: نافية مهملة لتأكيد نفي اللياقة والحكم.
{كَانَ}: فعل ماض ناقص.
{لِنَبِيٍّ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر كان مقدم.
{أَن}: حرف مصدري ونصب.
{يَكُونَ}: فعل مضارع ناقص منصوب بأن وعلامة نصبه الفتحة.
{لَهُ}: جار ومجرور متعلقان بمحذوف خبر يكون مقدم.
{أَسْرَىٰ}: اسم يكون مؤخر مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والمصدر المؤول (أن يكون له أسرى) في محل رفع اسم كان المؤخر.
{حَتَّىٰ}: حرف غاية وجر.
{يُثْخِنَ}: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وعلامة نصبه الفتحة والفاعل مستتر تقديره هو.
{فِي الْأَرْضِ}: متعلقان بـ (يثخن).
{تُرِيدُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل.
{عَرَضَ}: مفعول به منصوب وهو مضاف.
{الدُّنْيَا}: مضاف إليه مجرور بكسرة مقدرة، والجملة استئنافية للتوبيخ.
{وَاللَّهُ}: الواو واو الحال أو استئنافية، لفظ الجلالة مبتدأ.
{يُرِيدُ}: فعل مضارع والفاعل مستتر، والجملة خبر المبتدأ.
{الْآخِرَةَ}: مفعول به منصوب (أي يريد لكم ثواب الآخرة وعز الدين).
قرأ أبو جعفر: {أَن تَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ} بتاء التأنيث لتأنيث جمع التكسير (أسرى).
وقرأ الباقون: {أَن يَكُونَ} بياء التذكير.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
النقد الذاتي والتربية الصارمة لجيل التأسيس:
مع عظمة نصر بدر وتأييد الملائكة والفرقان، لم يغفل القرآن عن تسجيل هذا العتاب الصادم للمسلمين في أخذ الفداء؛ ليعلموا أن النصر لا يعفي من الحساب الدقيق على المقاصد والنيات.
تنزيه النبوة ومقاصد الشريعة عن الدوافع المالية: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ}.
التمهيد للرخصة والعفو في الآية التالية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة بكاء النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر وموافقة القرآن لرأي عمر:
كيف يخطئ النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر في الرأي ويعاتبهم القرآن ويصوب رأي عمر؟
الدفع والمحاكمة النبوية العقدية الرصينة عند أهل السنة:
المسألة كانت من مسائل "الاجتهاد السياسي والعسكري المحض" التي لم ينزل فيها نص قاطع قبلها؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم شاور أصحابه، وكان اجتهاد أبي بكر مبنياً على مقصد شرعي نبيل وهو "استصلاح الكفار ورجاء إسلامهم وتقوية المسلمين بالفداء"، وكان اجتهاد عمر مبنياً على مقصد شرعي آخر وهو "حسم مادة الكفر وإرهاب قريش بإعدام صناديدها"؛ فمال النبي صلى الله عليه وسلم إلى رأي أبي بكر لغلبة الرحمة والشفقة في جبلته الشريفة صلى الله عليه وسلم.
نزل القرآن مبيناً أن الأولى والأنسب لـ "مرحلة التأسيس الأولى في بدر" كان رأي عمر بالإثخان وكسر الشوكة، وأن أخذ الفداء كان في غير أوانه؛ ولكن لما كان اجتهاداً مأجوراً لم يعاقبهم الله بل عفا عنهم وأحل لهم الغنائم والفداء في الآيات اللاحقة؛ وهذا أعظم برهان على بشرية الاجتهاد النبوي في غير التشريع التوقيفي، وعلى صدق نبوته؛ إذ لو كان القرآن من عنده لكتم عتاب نفسه وأبي بكر وبكاءهما!
التعبير بـ {حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ}: استعارة دالة على التمكين التام وترسيخ هيبة الدولة؛ فقبل استقرار الشوكة يكون الأسر مفسدة يجرئ العدو؛ فإذا استقرت الدولة جاز الأسر والفداء والمن كما نزل في سورة محمد: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} [محمد: 4].
المقابلة الصادمة في {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ}: تقريع لغوي يهز القلوب؛ لوضع المسلمين أمام حقيقة مقاصدهم وتجريد نياتهم من أي حظ دنيوي عاجل.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الموازنة بين اللين والحزم في مراحل الدعوة: مرحلة التأسيس وبناء الدول تتطلب الحزم والصرامة وقطع دابر رؤوس الفتنة، والمراحل اللاحقة تتسع للعفو والفداء والملاينة؛ فلكل مقام مقال.
عبقرية الفاروق عمر رضي الله عنه: موافقة الوحي لرأي عمر في أسرى بدر ومقامه العالي في استشراف مقاصد العزة والحزم، وأدب النبي صلى الله عليه وسلم في الرجوع إلى حكم الله وبكائه خشية من عتاب ربه.