تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 483)جامع البيانالطبري١٣/٤٨٣: يروي الطبري عن عبد الله بن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي وابن زيد في قوله: {يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا}: قالوا: مخرجاً وفصلاً بين الحق والباطل؛ وقال ابن إسحاق: فرقاناً بين الحق والباطل يظهر الله به حقكم ويخمد به باطل من عاداكم؛ وقال قتادة: فرقاناً في الدنيا والآخرة؛ يفرق به بينكم وبين أهل الضلال بالنصر والعز في الدنيا، وبالنجاة ودخول الجنة في الآخرة؛ {وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}: يمحها ويسترها فلا يفضحكم بها، {وَيَغْفِرْ لَكُمْ}: يستر ذنوبكم ويتجاوز عنها، {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 42)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٤٢: يوضح ابن كثير أن التقوى هي مفتاح كل خير؛ فمن اتقى الله بامتثال أوامره واجتناب زواجره رُزق النور في البصيرة الذي يفرق به بين الشبهات والشهوات وبين الحق والباطل، ورُزق النصر والفرقان على أعدائه، وتكفير السيئات ومغفرة الزلات؛ وهذا هو الفضل العظيم الذي لا يساويه شيء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{فُرْقَانًا}: مصدر فرَق يفرُق، والفرقان هو كل ما فُرِّق به بين أمرين متلبسين؛ ويطلق على النور الباطني والعقل السليم الفارق بين الحق والباطل، ويطلق على النصر الفارق بين أهل الإيمان وأهل الطغيان كما سمى يوم بدر "يوم الفرقان"، ويطلق على المخرج والنجاة.
{وَيُكَفِّرْ}: التكفير هو الستر والمحو التام؛ كفر الشيء إذا غطاه.
{ذُو الْفَضْلِ}: الفضل هو الزيادة والإحسان الذي يبتدئ به المنعم تفضلاً دون وجوب عليه.
الإعراب والتركيب:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: نداء واستنهاض.
{إِن}: حرف شرط جازم.
{تَتَّقُوا}: فعل مضارع مجزوم فعل الشرط وعلامة جزمه حذف النون، والواو فاعل.
{فُرْقَانًا}: مفعول به أول منصوب، أو مفعول به إذا كان يجعل بمعنى يخلق.
{وَيُكَفِّرْ}: معطوف على (يجعل) مجزوم بالسكون والفاعل مستتر.
{عَنكُمْ}: متعلقان بـ (يكفر).
{سَيِّئَاتِكُمْ}: مفعول به منصوب بالكسرة نيابة عن الفتحة لأنه جمع مؤنث سالم والكاف مضاف إليه.
{وَيَغْفِرْ}: معطوف مجزوم بالسكون والفاعل مستتر.
{لَكُمْ}: متعلقان بـ (يغفر).
{وَاللَّهُ}: الواو استئنافية، لفظ الجلالة مبتدأ مرفوع بالضمة.
{ذُو}: خبر المبتدأ مرفوع بالواو لأنه من الأسماء الخمسة وهو مضاف.
{الْفَضْلِ}: مضاف إليه مجرور بالكسرة.
{الْعَظِيمِ}: نعت لـ (الفضل) مجرور بالكسرة.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
هذا النظم البديع هو جائزة الاستجابة للأوامر السابقة:
بعد أن أمر بالطاعة وحذر من التولي ومن الخيانة والفتنة بالأموال والأولاد، جمع الله قواعد النجاة كلها في كلمة واحدة: {إِن تَتَّقُوا اللَّهَ}.
ثم رتب على هذا الشرط أربعة أوسمة ربانية متسلسلة:
بصيرة نافذة وفرقان في الفهم والنصر {فُرْقَانًا}.
ستر المعاصي في الدنيا ومحوها {وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ}.
النجاة من عقابها يوم الحساب {وَيَغْفِرْ لَكُمْ}.
العطاء الرباني الواسع بغير حساب {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة الفرق بين تكفير السيئات ومغفرة الذنوب:
لماذا جمع بين {وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} و{وَيَغْفِرْ لَكُمْ} مع تقارب معناهما؟
الدفع والمحاكمة الدقيقة عند أئمة اللغة والتفسير:
التكفير والسيئات يغلب إطلاقهما على صغائر الذنوب وسترها في الدنيا ومحوها من الصحف؛ والمغفرة والذنوب يغلب إطلاقهما على كبائر الذنوب والوقاية من عقابها في الآخرة والتجاوز عنها؛ فجمعهما استيعاب تام لكل أنواع الخطايا والزلات صغيرها وكبيرها، ونيل السلامة المطلقة في الدارين.
التنكير في {فُرْقَانًا}: تنكير تعظيم وشمول؛ يشمل فرقان البصيرة العقلية، وفرقان النصر الميداني، وفرقان النجاة الأخروية.
الختام بـ {وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ}: تذييل مقرر بأن كل هذه الثمرات ليست معاوضة مجردة على عمل العبد الضعيف، بل هي فيض من فضل الله العظيم وجوده السابغ.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التقوى ينبوع البصيرة: عند اشتباه الأمور وتلاطم الفتن والتباس الحق بالباطل لا ينفع الذكاء المجرد بقدر ما تنفع "تقوى الله"؛ فإن التقوى تورث القلب نوراً كاشفاً يرى به حقائق الأمور: «واتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله».
ربط النصر بالتقوى: نصر الأمة وفرقانها على أعدائها مرهون بتحقيق تقوى الله في السر والعلن؛ فإذا صلحت النفوس نزل الفرقان الإلهي.