تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 612)جامع البيانالطبري١٣/٦١٢: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد وابن جريج والسدي: أن المعنى: وإن أراد هؤلاء الكفار بطلب الصلح والموادعة خديعتك ومكراً بك، ليستريحوا ويستعدوا للغدر بك حين تحين لهم فرصة، فلا تخف مكرهم ولا تتردد في قبول السلم الظاهر؛ {فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ}: أي كافيك وناصرك وواقف في وجه مكرهم؛ فالذي نصرك يوم بدر وأنت ضعيف وأيدك بجنده ونصرته وبالمؤمنين الصادقين هو الذي سيكفيك مكرهم ويفضح خديعتهم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 85)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٨٥: يوضح ابن كثير أن الآية تؤصل لقاعدة سياسية وعسكرية ربانية: "الحكم بالظاهر وتفويض السرائر لله"؛ فالمسلم يقبل السلم الظاهر، ويتوكل على الله الكافي، ولا يعطل المصالح تخوفاً من وساوس الخديعة؛ لأن كفاية الله تحيط بالماكرين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{يَخْدَعُوكَ}: الخداع هو إظهار خلاف ما يبطنه الإنسان لإيقاع الطرف الآخر في الغفلة ثم الغدر به؛ خادعه يخدعه خداعاً.
{حَسْبَكَ}: الحسب في الأصل الكفاية؛ حَسْبُكَ الله أي كافيك الله كل ما أهمك ولا تحتاج معه إلى أحد.
{أَيَّدَكَ}: قواك وثبتك؛ من الأيد وهو القوة والمنعة.
الإعراب والتركيب:
{وَإِن}: الواو عاطفة، إن شرطية جازمة.
{يُرِيدُوا}: فعل مضارع مجزوم فعل الشرط بحذف النون والواو فاعل.
{أَن}: حرف مصدري ونصب.
{يَخْدَعُوكَ}: فعل مضارع منصوب بأن بحذف النون والواو فاعل والكاف مفعول به، والمصدر المؤول في محل نصب مفعول به لـ (يريدوا).
{فَإِنَّ}: الفاء رابطة لجواب الشرط، إن حرف توكيد ونصب.
{حَسْبَكَ}: اسم إن منصوب بالفتحة وهو مضاف والكاف مضاف إليه (أو خبر مقدم).
{اللَّهُ}: لفظ الجلالة خبر إن مرفوع بالضمة (أو مبتدأ مؤخر)، وجملة إن واسمها وخبرها في محل جزم جواب الشرط.
{هُوَ}: ضمير منفصل مبتدأ.
{الَّذِي}: اسم موصول مبني في محل رفع خبر المبتدأ.
{أَيَّدَكَ}: فعل ماض مبني على الفتح والفاعل مستتر تقديره هو والكاف مفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها.
{بِنَصْرِهِ}: متعلقان بـ (أيدك) والهاء مضاف إليه.
{وَبِالْمُؤْمِنِينَ}: معطوف على بنصره مجرور بالياء لأنه جمع مذكر سالم.
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تبديد المخاوف الأمنية والسياسية:
لما أمر في الآية السابقة بقبول السلم {فَاجْنَحْ لَهَا}، كان من المتوقع أن يثور في أذهان القادة هاجس أمني مشروع: "ماذا لو كان هذا السلم حيلة وخديعة لكسب الوقت ثم الانقضاض علينا؟".
فجاءت هذه الآية مباشرة لتبدد هذا الهاجس وتبني جسر الأمان: {وَإِن يُرِيدُوا أَن يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ}.
ثم فصّل أسباب الكفاية بتذكيره بالنعم السابقة: بتأييد الله بنصره وبالمؤمنين.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة التعارض بين الحذر من الخداع وبين قبول السلم المشبوه:
هل يدعو الإسلام إلى السذاجة السياسية في تصديق الأعداء؟
الدفع والمحاكمة السياسية والشرعية الحكيمة:
الإسلام ينهى عن السذاجة والغفلة تماماً كما ينهى عن الوسوسة والجبن؛ فالآية التي سبقتها أمرت بـ: {وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} و{وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَىٰ سَوَاءٍ}؛ فالمسلم يدخل في السلم وهو في قمة قوته ويقظته وسلاحه في يده؛ فإذا أراد العدو الخديعة كان المسلم مستعداً بقوته وبكفاية الله له لقصمهم؛ فالاعتماد على كفاية الله لا يلغي اتخاذ الحيطة والحذر بل يتكامل معها.
الجملة الاسمية المؤكدة {فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ}: تفيد الثبوت والقطع بالكفاية؛ فمن كان الله حسبه فلو كادته السماوات والأرض ومن فيهن لجعل الله له فرجاً ومخرجاً ورد كيدهم في نحورهم.
الجمع بين النصر الرباني والنصر البشري في {بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ}: تقديم نصر الله للتأكيد على أنه الأصل والمسبب الحقيقي، وعطف المؤمنين لبيان شرف دور الصحابة والأمة كأسباب ظاهرة شرفها الله بالجهاد والنصرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
قوة اليقين تمنح الشجاعة في القرارات المصيرية: المؤمن المعتصم بالله لا يتردد في اتخاذ القرارات السياسية والميدانية الجريئة؛ لعلمه أن تدبير الله فوق مكر الماكرين.
منزلة المؤمنين في نصرة الدين: جعل الله المؤمنين سبباً لنصرة نبيه صلى الله عليه وسلم؛ فالمؤمن الصادق يعلم أنه جندي في جيش الحق، وشرفه الأعظم أن يكون أداة في نصرة شريعة ربه.