تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 450)جامع البيانالطبري١٣/٤٥٠: يروي الطبري بإسناده عن قتادة ومجاهد والسدي وابن زيد: أن الله تعالى يأمر عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم فيما أمر ونهى، وفيما شرع من أحكام القتال وقسمة الأنفال ولزوم الصف؛ وينهاهم عن التولي والإعراض عنه؛ وقوله {وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ}: أي والحال أنكم تسمعون آيات الله تتلى عليكم بالبراهين الساطعة، وتسمعون مواعظ رسوله وتوجيهاته؛ فمن سمع الحجة كان إعراضه أقبح وذنبه أعظم ممن لم يسمع.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 32)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٣٢: يوضح ابن كثير أن هذا تأكيد على وجوب الاتباع والانقياد الحاسم لأوامر النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلا يجوز لمؤمن سمع كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتأخر عن نصرته أو يعرض عن أمره؛ لأن السماع مع الإيمان يستلزم المبادرة بالطاعة، والتولي مع السماع إنما هو دأب المنافقين وأهل الكفران.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{أَطِيعُوا}: الطاعة في الأصل الانقياد والمطاوعة؛ وأطاع إذا وافق الأمر رغبة وانقياداً، وضدها العصيان.
{وَلَا تَوَلَّوْا}: التولي هو الإعراض والانصراف عن الشيء؛ أصله تتولوا وحذفت إحدى التاءين تخفيفاً.
{تَسْمَعُونَ}: السماع هنا سماع الفهم والقبول وإدراك الحجة، وليس مجرد إدراك الصوت بالأذن.
الإعراب والتركيب:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: يا حرف نداء، أي منادى مبني على الضم في محل نصب و(ها) للتنبيه، الذين نعت أو بدل، آمنوا صلة الموصول.
{أَطِيعُوا}: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو ضمير متصل فاعل.
{اللَّهَ}: لفظ الجلالة مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.
{وَرَسُولَهُ}: الواو عاطفة، رسول معطوف منصوب والهاء مضاف إليه.
{وَلَا}: الواو عاطفة، (لا) ناهية جازمة.
{تَوَلَّوْا}: فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو فاعل.
{عَنْهُ}: جار ومجرور متعلقان بـ (تولوا)، والضمير يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم، أو على الله، أو على الأمر والطاعة.
{وَأَنتُمْ}: الواو واو الحال، أنتم ضمير منفصل مبني في محل رفع مبتدأ.
{تَسْمَعُونَ}: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر المبتدأ، والجملة الاسمية في محل نصب حال من فاعل (تولوا).
القراءات المتواترة:
قرأ البزي عن ابن كثير: {وَلَا تَوَلَّوْا} بتشديد التاء وصلاً بإدغام تاء المضارعة في التاء الأصلية (تَتَوَلَّوْا).
وقرأ الباقون: {وَلَا تَوَلَّوْا} بتخفيف التاء على حذف إحدى التاءين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
تدرج تشريعي حكيم: بعد أن بيّن الله للمؤمنين معالم نصر بدر، وأمرهم بالثبات عند لقاء الزحف وحرم التولي بالأبدان في الميدان العسكري {فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ}، انتقل في هذه الآية إلى النهي عن التولي بالقلوب والعقول عن طاعة الشريعة وأوامر القيادة النبوية: {وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ}؛ فالتولي العسكري فرار بالأبدان، والتولي عن الطاعة نكوص بالقلوب، وكلاهما مهلك.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة مرجع الضمير المفرد في {عَنْهُ}:
لماذا أتى الضمير مفرداً في قوله {عَنْهُ} مع أنه تقدم ذكر اسمين كريمين: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ}؟
الدفع والمحاكمة البلاغية واللغوية:
طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم هي عين طاعة الله تعالى؛ كما قال سبحانه: {مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ} [النساء: 80]؛ فالأمران متلازمان كأنهما شيء واحد.
الضمير يعود على الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأن التولي الحسي كان يعرض بمفارقة مجلسه وتوجيهاته؛ أو يعود على الأمر المفهوم من السياق؛ وهذا الإفراد إعجاز بياني يؤكد وحدة المصدر التشريعي وتطابق إرادة الرسول المبلغ مع أمر الله المنزِل.
الجملة الحالية {وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ}: قيد حالي يزيد النهي تشديداً وتوبيخاً؛ لأن المعرض وهو جاهل لم تبلغه الحجة أخف جرماً ممن يعرض وهو يسمع كلام ربه ونبيه غضاً طرياً؛ فقيام الحجة بالسماع يقطع كل عذر للمعاند.
التعبير بالفعل المضارع المجدد {تَسْمَعُونَ}: دلالة على استمرار سماعهم للقرآن والوحي المتنزل صباح مساء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
آفة الاستماع بغير عمل: أخطر أمراض التدين الشكلي أن يعتاد الإنسان سماع المواعظ وخطب الجمعة والآيات القرآنية دون أن يترجم ذلك إلى طاعة وامتثال في واقعه ومعاملاته؛ فهذا السماع حجة عليه لا له.
عقد الطاعة مع القيادة الربانية: قوة المجتمع المسلم تقوم على الانضباط الواعي والسمع والطاعة لله ولرسوله في المنشط والمكره؛ وبذلك تكسر شوكة الأعداء.