تفسير الطبري (جامع البيان، ج 13، ص 431)جامع البيانالطبري١٣/٤٣١: يروي الطبري بإسناده عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات - أي المهلكات - قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات» (حديث متفق عليه في الصحيحين).
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 4، ص 25)تفسير القرآن العظيمابن كثير٤/٢٥: يوضح ابن كثير أن الله تعالى ينهى عباده المؤمنين نهياً جازماً مغلظاً عن الفرار من الزحف عند لقاء العدو الكافر في ميدان الحرب؛ ويأمرهم بالثبات وملازمة الصبر واليقين بنصر الله، وتوعد من فر بالأدبار بغضب الله ومأوى جهنم وبئس المصير.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 7، ص 380)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي٧/٣٨٠: يحرر القرطبي أن التولي يوم الزحف من كبائر الذنوب بإجماع الأمة؛ وهو محرم تحريماً قاطعاً إذا لم يزد عدد الكفار على مثلي عدد المسلمين، استناداً إلى قوله تعالى في السورة نفسها: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا ۚ فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
{لَقِيتُمُ}: اللقاء في الأصل المقابلة والمواجهة وجهاً لوجه؛ ولقاء العدو مصافحته ومواجهته بالسلاح في الميدان.
{زَحْفًا}: الزحف في كلام العرب هو الدنو والمشي قليلاً قليلاً؛ كزحف الصبي قبل أن يمشي؛ وأُطلق الزحف على الجيش الكثير الملتف الذي يُرى من بعيد لكثرته كأنه يزحف زحفاً ولا يسرع في مشيه لتكاثف صفوفه وثقل سلاحه؛ وهو مصدر في موضع الحال.
{الْأَدْبَارَ}: جمع دُبُر، وهو مؤخر الشيء وخلفه؛ وتولية الأدبار كناية عن الفرار والهزيمة.
الإعراب والتركيب:
{يَا أَيُّهَا}: يا حرف نداء، أي منادى نكرة مقصودة مبني على الضم في محل نصب، و(ها) للتنبيه.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب نعت لـ (أي) أو بدل.
{آمَنُوا}: فعل ماض والواو فاعل وجملة آمنوا صلة الموصول.
{إِذَا}: ظرف لما يستقبل من الزمان خافض لشرطه منصوب بجوابه.
{لَقِيتُمُ}: فعل ماض مبني على السكون لاتصاله بتاء الفاعل، والتاء فاعل والميم علامة الجمع وحركت بالضم للساكنين.
{الَّذِينَ}: اسم موصول مبني في محل نصب مفعول به.
{كَفَرُوا}: صلة الموصول لا محل لها.
{زَحْفًا}: مصدر منصوب في موضع الحال؛ إما من الفاعل (أي زاحفين إليهم)، أو من المفعول (أي متكاثفين زاحفين نحوك)، أو من الفريقين معاً لتزاحفهما وتدانيهما للقتال.
{فَلَا}: الفاء رابطة لجواب الشرط، (لا) ناهية جازمة.
{تُوَلُّوهُمُ}: فعل مضارع مجزوم بـ (لا) الناهية وعلامة جزمه حذف النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو ضمير متصل فاعل، والهاء مفعول به أول والميم علامة الجمع.
{الْأَدْبَارَ}: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة، والجملة في محل جزم جواب الشرط (إذا).
القراءات المتواترة:
أجمعت القراءات العشر على قراءة الآية الكريمة دون اختلاف فرشي.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
بعد أن ذكر الله النصر المعجز في بدر، وأظهر كيف نصر الفئة القليلة المؤمنة على الفئة الكثيرة المشركة وأمدهم بالملائكة وألقى الرعب في قلوب أعدائهم، خاطب المؤمنين بالنداء الإيماني الحبيب: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}، ليقرر قاعدة عسكرية تشريعية دائمة للأمة: وهي تحريم الفرار من الزحف؛ إذ بعد تلك المعاينات والمعجزات لا مسوغ قط لمؤمن أن ينهزم أو يخاف كثرة العدو، ما دام الله معه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة نسخ التحريم المطلق بالتخفيف في الآية 66:
هل حكم تحريم الفرار خاص بأهل بدر أم هو عام لجميع الأمة إلى يوم القيامة؟
الدفع والمحاكمة الفقهية المقارنة:
ذهب بعض السلف (كأبي سعيد الخدري وعطاء) إلى أنها خاصة بيوم بدر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له فئة ينحاز إليها إلا المدينة وكان المسلمون قلة إن انهزموا هلك الإسلام.
والتحقيق الذي عليه جماهير الصحابة والفقهاء وأئمة المذاهب الأربعة (أبو حنيفة، مالك، الشافعي، أحمد) أنها عامة في كل زحف إلى يوم القيامة؛ بدليل حديث الصحيحين في السبع الموبقات: «والتولي يوم الزحف»؛ لكن هذا التحريم قُيد ونُسخ إطلاقه بالنسبة لعدد العدو بالآية اللاحقة في السورة نفسها: {الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنكُمْ... فَإِن يَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ}؛ فإذا كان العدو مثليهم فما دون حَرُم الفرار إجماعاً، وإن زاد على المثلين جاز الانحياز ولا يعد فاراً موبقاً؛ وبذلك تلتئم النصوص وتتطابق الأدلة.
الكناية في {فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ}: كناية بديعة عن الهزيمة والفرار؛ لأن الفار يدير ظهره وقفاه لعدوه رعباً وجبناً، والتعبير بها إشعار بالقبح والمهانة في هذا الفعل.
التنكير في {زَحْفًا}: يفيد عظم وضخامة الجيش الزاحف وهيبته، ومع ذلك نُهي المؤمنون عن الفرار أمامه؛ لأن قوة الله أكبر من كل زحف بشري.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
الثبات صلب العقيدة العسكرية الإسلامية: الهزيمة النفسية تسبق الهزيمة العسكرية؛ وإذا ثبت القلب في الميدان انهزم العدو حتماً؛ فالفرار يكسر قلوب المسلمين ويجرئ الكفار على حوزة الدين، ولذا كان التولي من أكبر الكبائر.
استحضار نداء الإيمان {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا}: استنهاض لعقد الإيمان ومقتضياته؛ فمن آمن بأن الجنة حق، والموت بأجل، وأن النصر من عند الله، استرخص روحه وثبت في وجه أعظم الجيوش.